الرئيسية » رصاص ناعم » الصوتُ المبحوح للاشعورِ الجمعيّ

الصوتُ المبحوح للاشعورِ الجمعيّ

مناهل السهوي  | 

أفتحُ خط الهاتف الواصلِ من فرنسا، صديقٌ يغني مع بعض أصدقائه إحدى الأغاني من تراث مدينة السويداء (محبوب قلبي بالهوا سميتني ومن بعد ما سميتني سَميتني) يحاولون تذكر باقي المقطع، طالبين مشاركتهم الغناء، أتمتم (علّيتني ع جوانحك ومن بعد ما عليتني علّيتني)، مستسلمة في النهاية لمشاركتهم الأغنية، كم أخجلُ من الغناء حتى من خلال مكالمة بين شمال فرنسا وجنوب سوريا، حتى أنّي في حفلات (الكريوكي) كنت أودّ أن يبقى صوت الموسيقا أعلى من صوتي، وفي صلواتي في الكنيسة كنت أتمتم التراتيل تمتمتاً مستمتعة بكلّ النشاز حولي!

تعلمنا هنا ومنذ صغرنا الغناء مع الجماعة كخطوة أولى للحياة، في المدرسة كان يجعلونني في مقدمة طفلين آخرين نتقدم لتحيّة العلم، أرفعه يوم السبت وأنا أغني النشيد الوطنيّ وأنزله يوم الخميس قبل الانصراف وطبعاً بحذر شديد، ليتناسب وقت الرفع مع طول الأغنية التي يرددها الصغار والعكس أيضاً، وعلى كلّ حال كانوا يختارونني لصوتي العالي لا غير، في الأعراس أيضاً كنا نلحق العروسين بالأهازيج والتصفيق والزغاريد، ويُشهَدُ بزغرودتي العالية التي لم أستطع كبتها في خطبة أخي رغم أني منذ زمن لم أزغرد ولم أغني النشيد الوطنيّ وأنا أرفع العلم.

في رحلات المدرسة كنّا نعود وصوتنا مبحوح فالرحلة بين السويداء والبحر تحتاجُ الكثير من الأغاني والرقص، لنصل البحر منهكين لكثرة الأغاني التي رددناها طوال ساعات، نتمشى على الرمل لبضع الوقت ونعود إلى الباصات لنتابع غنائنا، أمّا في بيوت العزاء كانت النساء تخرج بأصوات مبحوحة بما يسمى النواح وأغانيه والصراخ على الراحلين وإن بدأ وقع العويل يغدو خفيفاً، تخرج إحداهن في مهمة للنواح على الفقيد، لجعل أهل العزاء يبكون فقيدهم بصوت أعلى وبأصوات لا تكاد تخرج، فعرفت أنّه قد يبحّ صوتي من الغناء على الطريق إلى اللاذقية في رحلة مدرسيّة، من العزاء أو من رفع العلم في المدرسة.

منذ تجاوزت الطفولة لم أعد أغني مع الجماعات، وأينما أجد جماعة تشترك في الغناء ضمن طقوس خاصة، أنسل من بينها وأرحل، ضاحكة في سري ” وليزعل (يانغ) منّي فلن أثبت لاشعورهُ الجمعيّ بصوتي المبحوح”

ملاحظة: (سميتني الأولى تعني إطلاق الاسم وسميتني الثانية تعني أنك أطلقت السّم داخلي.

عليتني الأولى تعني أنك رفعتني عالياً أمّا الثانية تعني أنك سببت لي العلّة والمرض).

شاعرة سوريّة | خاص موقع قلم رصاص

 

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …