الرئيسية » رصاصة الرحمة » مصادرة الشر

مصادرة الشر

ما يثير الاستغراب، وحتى السخرية، أننا “كعرب” نقايس ونعاير كل منتجاتنا التفكيرية، بالمقاييس والمعايير “الغربية”، مع الاحتفاظ بحق رفض النتائج أو استثناءها إيجابياً وحتى شتمها وإدانتها، وكذلك عدم الاعتراف “للغرب” بممارسة مقاييسه على نفسه وعلى منتجاته التفكيرية، فهو مخطىء بغض النظر عن تطابق المقاييس أو اختلافها، مستظلين في ذلك شرعة حقوق الإنسان التي تساوي بين البشر مع أننا لا نوافق عليها كثيراً أو لنقل نوافق عليها بالمناسبات التي نختارها، وأستطيع أن أجزم أن لا بلداً “عربياً”، أستطاع أن ينجز نسباً مقروءة على مؤشرات حقوق الإنسان إن كان على صعيد المساواة المؤسسة للحقوق أو على صعيد عدم تكييف المعايير وهذا ما يؤسس لسوقنا في تيارات الثأر والإنتقام إذا لم نحصل على “حقوقنا” كما نراها ونقدرها  منهم، ومع هذا ومع كل هذا، نطالب “الغرب” الذي وضعها بأن يمارسها ويقدم لنا حقوقنا وهو صاغر ، لإن هذا ” الغرب” هو من تسبب بمصائبنا الواحدة تلو الأخرى،وإننا لولا مؤامراته كنا بألف خير، ولم يكن هناك لا إرهاب ولا تقسيم للعالم الى فسطاطين.

هذا الإغراق في المطالبة، ونسب كل المصائب إلى الغرب وحده، يحولنا إى كائنات طهرانية لا يأتيها الباطل من حدب، شعوب تعيش بالحب والبراءة والأثرة، شعوب مسكينة تآمر عليها هذا الغرب الحقير واليوم عليه دفع التعويض بناء على شرعة هو من وضعها، وهي للحق شرعة مساواتية نظرياً ولكننا نعتقد الغرب لا يلتزم بها مع أنه هو من وضعها  وآمن بها، بينما نحن معفيون من كل هذه الترهات الرجسة من حقوق إنسان تبيح الاختلاط والشذوذ، ومن ديمقراطية تساوي بين التقي وقليل التقى، ومن دولة تضبط إيقاع المجتمع بواسطة مؤسساتها وتشريعاتها الأرضية ،وبما أن “العرب ” تعرف ذاتها أو صفاتها بأنها عكس الآخر على ما جرت الأعراف، فإن هذه الطهرانية طهرانيتنا نحن، سوف تقوم في مواجهة الإثم، إثم الآخر، فإن اختفاء ركن مهم من أركان الإنسانية يبدو بدهياً، هذا الركن هو الشر  الذي نخلو منه بدهياً واعتقادياً، فهل “العرب” الذين “جبلوا” على الخير فقط يمكن أن يكونوا كائنات بشرية؟ هو سؤال لابد منه أمام هذه الكمية الهائلة من ادعاءات المسكنة والاضطهاد كضحايا للمؤامرات، والتي تسببت في تشويه صورتنا ظاهرياً فقط، وعلى “الغرب” والعالم أجمع أن يرضخ لصورتنا “الحقيقية” التي تخلو من الشر .

طبعاً هذه الصورة  التي نفضل، هي صورة إدعائية ومتسولة للشفقة، والاستمرار في تسويقها في العالم (وقبول شرائح غربية ليبرالية واسعة بها)، هي ليست مطابقة لا للحقيقة ولا للواقع، ولا للمضمون البشري، ناهيك عن الحقائق السياسية الموثقة التي تشير الى شرور مارسها “العرب” أكثر وأفحش بكثير مما مارسه “الغرب” مع فارق القوة والتنقنية، ولكن الوحشية هي ذاتها، والشر هو ذاته، لا فرق بين قصف العراق أو صربيا من قبل الطيران الأميركي عن غزوات منهاتن ولندن ومدريد، ولا فرق بين وعد بلفور واتفاق فيصل وايزمن من حيث الهدف، كما لا فارق بين مذابح دير ياسين وكفر قاسم، مع مذابح الأرمن والسريان التي حصلت في كيليكيا،وكذلك لا فارق بين اغتصاب فلسطين وتغيير ديموغرافيتها، واحتلال اسكنرون وتغيير ديموغرافيتها.

إنها شرور قمنا بها ولا يعفينا من وجودها أو فعلها عدم العودة الى الوثائق التاريخية، والاكتفاء بالاعتقاد أننا أوادم، وضحايا هذا العالم الشرير.

لم يكن العالم ( ونحن منه) خلال التاريخ المعروف، أكثر شراً أو أقل، وتوزع الشر بالتساوي على الأقوام البشرية، ففي لحظات القوة والحيوية ( تاريخيا) قمنا باحتلالات وغزوات مماثلة للتي قام بها العالم القديم آنذاك، وفي العصر الحديث لم نقصر، وإلا ماذا يعني هذا الانتقام والثأر غير أننا فشلنا في إنجاز الحيوية؟! صحيح أن هذه الشرور تمت على شكل خيانات وبيع وشراء واستبداد، ولكنها في المحصلة شرور تشارك بشكل عضوي كل شرور المستعمر وتعادله، والفارق بينهما أنها خسيسة ومهينة في مقابل أشرار يحققون مصالح مجتمعاتهم.

هذه الطهرانية الإعلانية، وكذلك تبنيها من الفئات الليبرالية الغربية، تصادر حقنا بأن نكون أشراراً بتبرئتنا وتبييض صفحاتنا، فقد فعلنا الكثير من الشرور بحق أوطاننا وجعلناها مداس للغزاة ولم نستطع سبيلاً إلى تحريرها، وليس صحيحاً أن العالم “الغرب” وحده المسؤول عن حالتنا المزرية هذه بل نحن وصمتنا الأبله الخطير، نحن أشرار بقدر المستعمر تماماً وهذا حقنا إذ لا يعقل أن تكون صفة الخير وحدها عالقة فينا، والشر كل الشر في الآخرين.

إن الباحث المدقق بالوثائق سوف يكتشف ببساطة أن لا استعمار وحده ولا مستشرقوه ولا كل آلته يمكنها أن تفعل، ما فعله أشرارنا بالبلاد والعباد، وهؤلاء لا يمكنهم أن يفعلوا ما فعلوه لولا ممارستنا نحن العامة الشر الأكبر، وهو عشق التخلف ومقاومة التنوير، ولننظر إلى شاشاتنا التلفزيونية ومنابرها، لننظر إلى وسائل التواصل، ولنرنو إلى تلك الكميات الهائلة من الشر التي ترمى من أعالي تلك المنابر بكل أنواع الحقد والكراهية والتحقير والتعهير، والتهديد متوفرة بكثافة على تلك المنابر، وفي آخر المطاف نحتفي بالذكرى المئوية لوعد بلفور وكأنه وحده المتسبب بكارثة فلسطين.

هل أريد القول بأننا أشرار بالسليقة وبالعموم؟ بالطبع لا…. ولكن معايرة الخير والشر لدينا تحتاج إلى معايير ومقاييس كالتي نستخدمها في معايرة الأداء “الغربي” تجاهنا، ولا أقصد هنا إزدواج المكاييل فقط، بل أقصد التملص من نتائج التقييم أيضاً، فعندما لا تعجبنا النتائج نتملص ونهرب الى طهرانية مفترضة تفرخ العنف والدماء.

إن مصادرة حقنا بأن نكون أشراراً كما كل أقوام الأرض، هو مصادرة لحقنا بأن نكون كائنات بشرية، وفي هذا منتهى الشر والحقد والكراهية، كما أن مصادرة حقنا بأن نكون أشراراً هو مدعاة لتسول الشفقة كضحايا دائمين للبشرية، نعم لدينا من  الشر والأشرار ما يكفي لكي ندمر حياتنا وحيوات الأجيال القادمة ولا نحتاج لا لشرق أو غرب لإتمام هذه المهمة.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

رياض الريس.. سيرة مفتوحة على الآخرين وناشر تجرّأ على المحرّم

غيّب الموت أول من أمس رياض نجيب الريس (1937- 2020)، «آخر الخوارج»، وصاحب البصمة الاستثنائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *