الرئيسية » رصاص حي » « خلف » والإعلام في سورية

« خلف » والإعلام في سورية

محمود عبد اللطيف  |

في سياسات التخطيط الاستراتيجي لبناء المؤسسة الاعلامية يجب أن لا تهمل آليات صناعة الرأي العام المستندة أصلاً إلى احصائيات رقمية تدلل المخطط على هوية الشريحة المستهدفة من أي منتج إعلامي.

في الدول التي تشهد حروباً، لا يضع المواطن البسيط في أولوياته مسائل الترفيه، وثمة فرق شاسع بين ما ترغبه الشريحة الواسعة التي تعيش دون الحد الأدنى من الدخل الذي يسمح بالرفاهية، وبين ما تفكر به طبقة المجتمع المخملي في يومياته، ولعل المشكلة الكبرى في إعلامنا السوري أن “المخطط” ينتمي بطبيعة الحال والمال للمجتمع المخملي، وهو يبني تخطيطه وفقا لما يلقاه من آراء ضمن هذه الدائرة الضيقة التي لن تشغل بالها يوماً بالتفكير بسعر ربطة الخبز في السوق السوداء، كما أنها لن تشغل بالاً بأي من الازمات التي تمر بها البلاد كفقدان الغاز المنزلي أو المازوت أو الكهرباء، فلهذه الطبقة نعيم الإحساس بالفوارق المجتمعية مع مسحوقي زمن الحرب.

ولطالما كان “خلف” هو الحلقة الأضعف في سلسلة الإعلام السوري، فليس غريباً أن يقال له: “كف يدك” حينما يرغب “آغاوات الإعلام” بذلك، ولعله ليس من المصادفة في شيء أن يأتي كف يد خلف عن رمي الطوب على بيوت الفساد بعد فترة وجيزة من القول لأخيه “حمدان” لقد شططت عما أريد لك، وليست المشكلة هنا إلا بانعدام فهم “خلف” وأخوته  أن بيوت الفساد لن يهز لها ركن مهما كبرت الحجارة التي يرميهم بها الراغبون بحياة افضل حتى وإن كانت هذه البيوت من زجاج.

لخلف أحلامه الوردية في عالم مهني عالي السقف، فهو يحس بأنه ينتمي للناس، مهموم بهمومهم، ويبحث لمشاكلهم عن مخارج تريح عيون الأمهات المسهدة بالتفكير بماهية الغد، لكن هذه الأحلام والطموحات “مسقفة” بتثاقف البعض ممن فرغت أرواحهم من أي دافع ليكونوا جزءاً فاعلاً في هذه البلاد، ولا يفهم “مخططو الإعلام” في سورية أن الحكومة لم تبحث يوماً عن إقامة “هيئة عليا للترفيه” كما هو الحال في الأنظمة الملكية المملوكة القرار لعدو هذه الأمة كمملكة “آل سعود”، فالاخيرة ترغب في أن تلهي شعبها عن خياراته المعاشية لترسم سياساتها الداخلية والخارجية كما تشتهي الدول التي تتحكم بقرار الاسرة الحاكمة، في حين أن دمشق، وبرغم كل ما مضى وما يمر بسورية، لم تفكر يوماً في خلق هيئة تكون مهامها رسم سياسات ترفيهية للشعب، وذلك لأنها تدرك أن من حق هذا الشعب (نحن) أن يعيش همومه المجتمعية بكامل وجعها، ومن حقه أن يعرف كيف يمكن أن تحل هذه الهموم، وأن يحس أن هناك من يهتم بهذه الهموم، حتى وإن كان إعلاميا بسيطاً كـ”خلف”.

لا يمكن لنا أن نصف خلف على أنه الذئب الذي ظلمه أخوة يوسف، وهو ليس الحمل بين  قطيع الذئاب، لكن من حق خلف إذا ما أراد أحدهم أن يقول له “توقف”، أن يحترم “المخططون” لتوقفه مسيرة سنوات تعب فيها، أن تحترم سخونة النقاشات التي جمعته مع زملائه لإنتاج الصورة الأمثل، لخلف أيضاً أن يقرر توقفه من يفقهون بمهنته، أن يكون توقيفه لبناء صورة إعلامية عجز عن الوصول إليها، لأنه لم ينجح ويرفع سوية المكان الذي أعطاه الأجنحة ليصير خلف صقراً، ورقماً صعباً.

أعرف خلف جيداً.. فهو لم يك يوماً مجرد راع لقطيع أحلام وهموم، ولم يك يوماً إلا إعلامياً من الطراز الرفيع في كل المؤسسات الإعلامية السورية، عن خلف المحرر والمصور والمونتير والمذيع والعامل في الإضاءة والحامل للمايك، عن هذا الخلف المجتهد الذي يطمح لإعلام سوري ناضج يجيد توظيف القدات المالية الممنوحة للإعلام، بعيداً عن كل الفساد.. الفساد بكل وحشيته التي تبتلع صوت بعضاً من المجتهدين، والفساد يشمل التمسك بقرار ضعيف الإقناع لكنه نفذ بأمر من أوجع خلف وأخوته رؤوسهم.. وعزاء هذا الخلف أن يستفيد الفرحون بقرار “وقفه” من خلو الساحة لهم لإنتاج إعلام بمعنى كلمة الإعلام بحدها الأدنى.

صحفي سوري | مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *