الرئيسية » رصاص ناعم » وجهٌ هانئٌ رحل عنه الشتاء

وجهٌ هانئٌ رحل عنه الشتاء

يبلغ عمري الليلة مائتين وسبعاً وتسعين صفحة. أبدو شديد التماسك. وبأعلى جاهزية للخروج، مثل شاب يتهيأ أمام المرآة لليلة زفافه. كان ذلك بعد حرب أنهكت كلينا. هي بطبعها المناكف، المقلقل، كثير الاستفزاز. وأنا بهيئتي التي تشبه ماءً ساكناً يخفي اشتعالاتٍ تضطرم أسفله.

حافظتُ على رزانتي ومكري مثلما حرصَت على طبيعتها الرعناء، بتمزيقها أوصالي ورميها. تقطعني، فـأشتاط غاضباُ. تنتزع عيناً من هنا،يداً أو قدماً. تركّب أبدالاً صناعية جديدة، لأبدو مثل لوحةٍ ممزقة أُلصقت أجزاؤها المفقودة، أو لنقل مثل فزاعةٍ في حقل؛ رديئاً لا أنفع لدرء الطيور النهمة عن خيراتي.

كنت أتسلل عبر أحلامها، أعبث بتفاصيل الحكاية. أقلّب آثارها العالقة بي، وأزيدُ الأحداث تعقيداً، حريصاً على منحها كل ما يؤرق، مثل ليل حالكٍ طويل، مربكاً مغاليق النهايات. مرة وأنا أتجول أثناء نومها، لمحتُ صورة حكاية عن قريةٍ حبلى بالسأم، ومراتٍ أكثر لمحتُ خنادق وأجساداً مبتورة وأطفالاً جوعى. في إحدى الليالي تركتها عن عمد، إذ كانت توقد الشموع وتبتهل أمام صورة غائمة.

من ناحيتها، لم تكن رحيمة بي. وكنتُ إذ تهجرني عاقبتها بالصدّ والتمنّع. في بعض الأحايين كانت تعمل عليّ مثل بلورة زئبقٍ مضطربة، توشك أن تنفجر. وفي أخرى، دون أن أنكر، كانت تصوغني كما لو أنها سليلة حكّاء عتيق. تسردُ القصص، وتمزج الواقع بالحلم والتاريخ، بالأسطورة، فأستسلم بخدَرٍ هانئ لسحر مخيلة بشرية عجيبة، أنسابُ مع نقاط الحبر مثل سيلٍ يعانق مجراه، حينها كنتُ أنزوي مقلّداً الحكم لامرأةٍ، بلغت بكل ما فيها من تناقض و عبث، كمالاُ غريباً، شبيهاً بكمال جالاتيا، منحوتة بجماليون الأسطورية.

عامان، والحرب قائمة بيننا. تخللها صُلحان وهدنتان وبضع مناوشات. كنت أتناغم مع ألحان أصابع يدٍ تلون ملامح وجهي، وتسكب الدم عبر أنحائي. ثم تعيد ترتيب هيئتي, فتجعلني أكثر قابلية للحياة. تبثّ فيّ الروح، مثل عاشق تخلى عن حزنه، وبات يمسك بزمام الأمور.

 في إحدى الليالي كانت ستقدمني طعاماً للنار. كان الوقت شتاء. وكان الليل والبرد والريح يجتمعون معا بولولة امرأة مذعورة. كانت ملامحها خارجة عن طبيعتها المألوفة، شبيهة بوحش عوليس الرهيب. بدت يومها مثل كائن أعزل في غابة مسحورة. ومن الجليّ أن بها سبلاً تعثرت، وآثار مرويات تمنّعت في حين راح الغضب يُرعش أصابع يدها، وسحاباتٌ رمادية تعبق بسماء وجهها. تخلت بلحظة عن كلّ شيء. سكبت كأس نبيذها على أجزاء مني. كنتُ سأصير طعاما سائغاً لمدفأتها الملتهبة، وكان لا بد من وقف لعبة الخيال الجامحة تلك، فالعبث بها طبيعتي، والمكر فطرتي، إلا أنها فطرة كانت ستودي بي لهلاكٍ محتوم!

ليلتذاك، وبعد أن تسلل الوسن نحو أهدابها، وحيث كان لابد للحكاية أن تنتهي، وللحياة أن تنضج عبر أوصال جسدي، تسللت مجددا وللمرة الأخيرة إلى أحلامها. كان الوقت الذي آن لي فيه أن أهبط من علو سماواتها إلى أرض حقيقتي، حيث أصير كائناً محدوداُ بدفّتين من كرتون أو جلد يغلفان مائتين وسبعاُ وتسعين ورقة بيضاء. حدّثتها عن أسراري، وفتحت أمام بصيرتها أحاجيّ ومحاليل عقدي، خرجتُ من خلف أبوابٍ لا تُرى، وأسمعتها مالم تستطع سماعه. حتى جاءت الليلة التي أذهب فيها بعيداً عنها. ألاقي مصيري الأزليّ، سيقبلني البعض وينبذني آخرون. سيضعونني على نضدٍ مهملة، ويعلوني الغبار مثل كهل منسيّ. سيقرأني كثيرون ويحبونني، مقابل أولئك القساة الذين لا يشعرون بكل ما حدث خلف الكواليس في العامين الفائتين.

كنت شديد الحزن. وكانت تبدو سعيدة إذ تنظر نحوي براحة حربٍ أعلنت نهايتها، وسلامٍ رفرف براياته البيض، في حين كنتُ أدرك أنني اكتملت اليوم، وبُعثت نحو الحياة بعيداً عنها، كمثل كل المؤلفات والنصوص والكتب، كائناً شديد الحزن، مثلهم جميعاً، أكتربُ إذ أعلم أن يوم ولادتنا يعني يوم رحيلنا. كنت أدرك أن هناك يوما سيأتي، ألمح فيه عبر زجاج عريض شفاف وجهاً هانئاً رحل عنه الشتاء، سماءً صافية تمرّ أمامي وتبتسم، في حين ألمحها عاجزاً، دون أن تطال ذراعيّ علياءها، وسأبتسم مثلها لكن بحزن عميق، مثل نحّات وسيم ماهرٍ في صقل الحكّائين وتشكيلهم، نحاتٍ كره النساء جميعهنّ، وأحبّ امرأة مكتملة، شبيهة بمنحوتة بجماليون الأسطورية.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن غنوة فضة

غنوة فضة
كاتبة وروائية سورية، مواليد مدينة اللاذقية (1987)، تحمل إجازة في التربية وعلم النفس من جامعة تشرين السورية، ودبلوم في البرمجة العصبية اللغوية، صدرت لها رواية "قمر موسى" نظرة على واقع ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *