قالت لي العرّافة:
“يحدث أن تعيش أكبر خسارات العمر دون أن تشعر، ولكن مرارة طعم أي فوز لاحق، ستكون كفيلة بأن تجعلك تدرك حجم تلك الخسارة. وعندما ستمر يوما بجانب خسارتك الأعظم، والتي كنت أنت خيبتها الأكبر، ستكتشف كم كنت مغفلا. ولكن الندم حين لا ينفع، فإنه حتما يضر. لذلك، لا تدخل معركة خاسرة، من أجل شيء كان ليكون لك دون حاجة للقتال. ما كان ليكون لك سلما لا تحاول الحصول عليه حربا”
هكذا قالت لي العرافة.
لم تكن ترتدي زيا غجريا، ولا كان الوشم ذو اللون الأخضر يزين ذقنها وجبينها الذي استوطنته تجاعيد العمر والألم، عرّافتي أنا، كانت بعد على أبواب الثلاثين. لم تكن تشبه في شيء العرافات اللواتي اعتدت رؤيتهن في المسلسلات والأفلام. حتى أنها لم تكن تردد أي عبارة لجذب المارة إليها ولا قالت الجملة المعهودة قبل أن تبوح بالسر وتفشي النبوءة: “ارم بياضك”. والتي تعني أن أمنحها نقودا نظير مجهودها في كشف المستور، الذي لم أسألها عنه أصلا ولا كنت حتى أهتم بمعرفته.
غريبة كانت، لم تقرأ كفي، ولا افترشت الأرض ونثرت حجارتها وأصدافها ووشوشتها، لتزف لي البشرى بعدها، أو لتتغير ملامحها وتحاول التهرب مني، فأضغط عليها أنا وأرجوها ألا تخفي عني ما جاد به الودع.
كل ما حدث لم يتجاوز دقائق معدودة، كانت قد ارتطمت بي، وهي تخطو مسرعة بحثا عن ملجأ من المطر، الذي اشتدت زخاته فوق رأسها الذي لم يكن يحميه سوى وشاح ملون، لا يكاد يغطي الشيء الكثير، تاركا خيوط الذهب التي وضعت أشعة الشمس بصمتها عليها، عرضة للبلل. كانت ثيابها قد ابتلت تماما، وهي منكمشة فيها، تحاول وضع حد لارتجاف جسدها النحيل، بينما تصارع الرياح القوية التي تأبى إلا أن تخلع عنها ثوب الدفء، ولكنها ومع كل هذا كانت تبدو أنيقة، لم ينل الجو الماطر والريح والإعصار شيئا من ألقها. والتقت أعيننا بينما أنا أعتذر لها، رغم أنها كانت المخطئة:
أنا آسف يا سيدتي. هل أنت بحاجة للمساعدة؟
أمعنت النظر في عيني وأومأت لي أنها بخير ثم ألقت في وجهي بسيل من الجمل عن الخسارة والندم، وذهبت قبل أن أستوعب كلامها ودون أن تمنحني فرصة الاستفسار عن أي شيء. اختفت بين جموع المارّة، وخلّفتني وسط الطريق مذهولا، تتردد كلماتها في ذهني وكأنها ما مرّت من هذا المكان بالذات إلا لتلقاني، وكأنها كانت مكلّفة بمهمة رسمية ما أن أتمّتها بنجاح حتى توارت عن الأنظار.
انكمشت أنا أيضا في معطفي الشتوي الأسود الطويل، وتمسكت جيدا بقبعتي حتى لا تتمكن منها الرياح. وأخذت أسرع الخطى أسوة بكل المتواجدين حولي، الفرق الوحيد أني لم أكن أعرف وجهتي بالتحديد، كان كل شيء حولي يدور كما كان يدور حديثها المبهم في دماغي. كنت أتساءل، هل كانت نظرة واحدة إلى عينيّ كافية لسبر أغوارهما واكتشاف خبايا الروح؟ أهما فاضحتان إلى هذا الحد؟ وما لي أنا إذن كلما أمعنت النظر فيهما وفي انعكاس وجهي في المرايا، لا أرى سوى الفراغ؟ أتراني سأكون الخاسر أم أني أنا الخسارة الكبرى في حياة أحدهم؟ أترى الخسارة قد حدثت مسبقا ولم ألق لها بالا، أما أني ما زلت موعودا بها؟
ومضيت خلفها، من نفس الطريق الذي تهيأ لي أنه ابتلع طيفها الهارب من المجهول. المجهول الذي قرأت فنجانه دون حتى أن يثور البن على الماء والنار، وفكت شفرات خطوط كفه دون أن تلمحها حتّى. ولكني لم أدركها كأنها ما وجدت يوما. لو عثرت عليها، كنت لأسألها فقط بأي حق بعثرت هدوء نفسي واقتحمت راحة بالي فأحالتها ضوضاء صاخبة؟
وعدت أجرّ أذيال الخيبة، عدت بضعف الأسئلة التي انطلقت بحثا عن إجاباتها، علامات استفهام كثيرة كانت ترتسم أمامي، كنت أرى وجه تلك الغريبة في كل الأشياء حولي، كانت تحاصرني، وما عاد المطر المنهمر غزيرا يهمني ولا عدت حتّى أخشى البلل.
وبدأ الليل يسدل أستاره من حولي، وبدأت حركة المارة تخفت، وأنا تائه في مدينة كانت في الماضي القريب جدا بوصلتي، مبتدئي ومنتهاي. ولكني الآن تائه، غائب ومغيّب، أمشي دون دليل ودون هدف وكلما اعتقدت أني على مشارف وطني الصغير، تبدو لي كل الطرق فجأة بلا نهاية، بلا لافتات وبلا إشارات مرور، فيتعاظم تعبي ويتزايد إحساسي بالضياع والتيه ويتضاعف سخطي على تلك الغريبة التي قلبت موازيني في لحظة كان أثرها بطول سنين العمر أكملها.
ووصلت أخيرا إلى منزلي، بعد أن تمكن مني التعب وأرهقني البحث والتفكير وسالت كل دموع السماء على جسدي. إن سألتموني كيف خلعت ثيابي المبتلة، كيف أخدت حماما ساخنا وكيف انتهيت إلى طاولة مكتبي ومعي كوب شاي ساخن، فإني صدقا لا أذكر شيئا مما حصل. آخر ما أتذكره هو برودة المفتاح وأنا أخرجه من جيبي وأحاول عبثا السيطرة على يدي المرتجفة لتعانقني أخيرا رائحة بيتي المحملة بعطر كل الأزهار والأعشاب التي أهوى زراعتها والعناية بها. للنباتات لغة خاصة لا يسمعها ولا يفهم مفرداتها إلا من كان شغوفا بها، فهي لا تفتح خباياها لأي عابر مر بها وظن أنه إذ اشتم عبقها فقد امتلك أسرارها.
كان البخار يتصاعد من كوب الشاي، وكنت أراقبه يتلاشى، فيتلاشى معه تعب اليوم، حنين الأمس وأحلام الغد. وفي لحظة لم أعد أعرف الحد الفاصل فيها بين الحقيقة والخيال، وكأني غادرت مكاني ولم أغادره، وجدتني في نفس الشارع، في نفس الوقت وتحت نفس الجو الماطر. نفس الأشخاص يحيطون بي ولكن بدا لي كأن الأحداث صارت أبطأ. ثم بدت هي قادمة من بعيد، وتوقفت الحركة من حولي فجأة، وكأن هناك مخرجا يسيّر الأحداث، يحدد المشاهد الأساسية ويقترب بالكاميرا من وجهها. جميلة كانت، تعلو مسحة حزن تقاسيمها وتتلألأ قطرات المطر النقية عليها، فتبدو كالزهرة المزينة بندى الصباح. وشاح حريري يغطي شعرها وثياب خفيفة لا تتناسب وتوصيات الأرصاد الجوية. وحدث الاصطدام مرة ثانية، ولكن هذه المرة كان المشهد بطيئا، فسنحت لي الفرصة لأمعن النظر في عينيها، لتستقبلني دروب التيه داخلهما. وتوقعت النبوءة بين لحظة وأخرى، ولكن شفتيها لم تتحركا ولا انفرجتا عن أي حرف. وكنت أسمع الكلام يعاد كما قيل أول مرة، ولكن الصوت كان خافتا وبعيدا وكأنه آت من مكان آخر. أتراها خدعة سينمائية لتزيد حماس المشاهدين؟ لكن، هذه حياتي وليست مسلسلا أو فيلما ليملك المخرج حق التصرف فيه. إذا كانت هي لم تقل شيئا، فما هذا الذي أسمعه؟
ثم فهمت، فهمت متأخرا أنه كان همس الحياة. وأن الخسارة قد وقعت بالفعل. ومددت يدي لأمنعها من الرحيل، لأمسك بذراعها وأوقفها قبل أن تختفي ولا أجد إليها سبيلا. وأحسست بحرارة جلدها، فسرت القشعريرة في جسدي وانتفضت وكأن الروح تستعد لتغادرني، أو ربما كانت عائدة من رحلتها إلى عالم الأحلام. ووجدت نفسي مجددا في غرفة مظلمة كئيبة، لا شوارع، لا مارّة، لا مطر ولا عرّافة حتى. أما حرارة جسدها، فقد كان مصدرها كأس الشاي الذي اختفى بخاره بعد أن برد، مثلما تبخرت هي واختفت بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من سكنى القلب والروح.
وأمضيت ليلتي في نفس المكان، على نفس الكرسي، وبنفس طريقة الجلوس، وحدها أكواب الشاي كانت تتغير. كنت أبحث عنها وأطارد خيالها في البخار وكلما برد الشاي واختفى البخار، فتختفي معه فرصتي في الوصول إليها، كنت أسارع لصنع آخر. وجاء الصباح أخيرا، كانت الفوضى تعم المكان، أكواب كثيرة قد انتشرت على المكتب، الطاولات والمقاعد، بعضها كان قد أفرغ محتواه على السجادة العتيقة التي تتوارثها أسرتنا جيلا بعد جيل، والتي كانت تعامل كأنها قطعة أثرية ثمينة قبل أن ينتهي بها الحال معي إلى ممسحة أرضيات خلال رحلة مطاردة خيوط الدخان.
وغادرت مقعدي أخيرا، ارتديت معطف الأمس والقبعة. وخرجت أقصد نفس المكان في نفس الوقت، أعيد الأحداث كما حصلت وأكرر نفس التفاصيل. ولكن من أين لي بنفس الوجوه التي مرّت بي؟
لا تهم كل وجوه العالم، المهم وجهها هي.
وأخذت أدور في المكان، أذرعه جيئة وذهابا على أمل أن يرتطم كتفها بكتفي. هذه المرّة سأنتهز الفرصة ولن أسمح لها بالذهاب، لن أسمح بالخسارة. فأنا لا أريد حياة مثقلة بالندم، ولا يغريني أو يُغذّي رجولتي أن أكون خيبة في حياة إحداهن. واستمر الحال هكذا أياما طويلة، لم أكن أفعل شيئا سوى انتظارها نهارا والتفكير فيها ليلا. وذات يوم، وأنا أعيد نفس الحركات، وأحترم السيناريو كما كانت قد كتبته لنا الحياة يومها، جاءني هاتف من العدم، من عمق الصمت: “أمامك إشارتان وبعدها ستأتي، بعد ساعتين، بعد يومين، بعد شهرين وربما بعد سنتين. ستأتي عندما تتوقف عن البحث عنها، ستأتي عندما تتوقف عن انتظارها، ستأتي عندما تنسى وجهها وملامحها والندى المتساقط على تقاسيمها، عندها فقط ستأتي”.
هكذا قالت لي العرّافة يوما.
مجلة قلم رصاص الثقافية
مجلة قلم رصاص الثقافية رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، "على قلم وساق" من أجل ثقافة هدفها الإنسان.