الرئيسية » قلم رصاص » عن موضوع التعبير و.. الرُهاب!!

عن موضوع التعبير و.. الرُهاب!!

جورج حاجوج

بداية التقهقر في كل مناحي حياتنا عموماً، وفي جانبها الفكري والثقافي والأدبي خصوصاً، كانت منذ تلك اللحظة التي طُلب فيها من تلاميذ المرحلة الابتدائية أن يذهبوا في رحلة تخيّلية ـ وهم على مقعد المدرسة أو في البيت ـ إلى غوطة دمشق أو الربوة أو الزبداني أو أيّ متنزه آخر ويكتبوا عنها موضوع تعبير يختمونه على نحو جماهيري بالعودة فرحين مسرورين!.

كلنا كتبنا هذه الصيغة النمطية، المعلّبة، من مواضيع التعبير في المرحلة الابتدائية.. صيغة تختصر مشاعر وأحاسيس الجميع ـ التي يُفترض أن تكون متنوعة ومختلفة ـ في إحساس واحد ومشاعر واحدة، ضاربين عرض الحائط بمسألة الاختلاف في الأمزجة والآراء والانطباعات التي هي ما يميز البشر عن باقي الكائنات!.

كلنا مرّ على مقاعد الدراسة من تحت هذه المقصلة الأدبية والتعبيرية، الممتلئة وصائية وزجراً وتقريرية، إلى أن اكتسب موضوع التعبير السيئ الذكر والسمعة والصيت والنتائج صيغته النهائية كقالب جماهيري في التربية والتعليم: “في يوم من أيام فصل الربيع ذهبنا في رحلة إلى غوطة دمشق، صعدنا الباص وجلس كلّ منا في مكانه.. كانت السماء صافية والطقس لطيف والأشجار مزهرة والعصافير تزقزق.. لعبنا مع بعضنا بعضاً، ولعبنا مع المعلمات والمعلمين، ثم تناولنا الطعام و.. و.. و.. عند مغيب الشمس، صعدنا إلى الباص وجلس كلّ في مكانه و….. عدنا فرحين مسرورين”!.

إذاً، عليك أيها التلميذ أن تذهب في تلك الرحلة، نظرياً ومن باب التخيّل أو عملياً، حتى ولو لم تكن لديك الرغبة في الذهاب!.. عليك أيضاً أن تعود كما باقي “جماهير” المدرسة فرحاً ومسروراً!.. وإياك ثم إياك أن تعبّر أو تكتب في موضوعك عن عدم سعادتك في تلك الرحلة.. إياك أنت تكتب أنك عدتَ “متخوزقاً من تلك الرحلة وما انبسطت أبداً أبداً”!.. إياك مثلاً أن تكتب: “.. وصعدنا إلى باص الهوب هوب محشورين فوق بعضنا بعضاً كالماعز أو الأغنام وفطسنا من قلّة الهواء”!.

شئتَ أم أبيت، عليك أيها التلميذ “النجيب!!” أن تكتب: “عدنا فرحين مسرورين” وإلا فإن علامة الصفر في مادة التعبير بانتظارك لأنك غرّدتَ خارج السرب وكتبت حقيقة ما جرى من وجهة نظرك، وتلفّظتَ بما تحسّ به دون زيادة أو نقصان!.. نعم، صفر مكعّب بانتظارك أيها التلميذ فيما لو تجرّأتَ وفعلت هذا، لأنكَ تدكّ معاقل الحس الجماهيري الواحد الأحد في التربية والتعليم!.. صفر بانتظارك لأنك حاولت ـ مجرد محاولة ـ أن تكون مختلفاً ومتميّزاً أو متمايزاً.. لا فرق!.

بعد هذا المثل الذي يعرفه القاصي والداني، والذي هو واحد من كثير من الأمثلة الأخرى التي قد لا يكون لها علاقة بموضوع التعبير، لكنها في نهاية المطاف تصبّ في السياق ذاته.. بعد هذا حريّ بنا أن نعرف من أين جاء كل هذا الخراب بمختلف أشكاله، المادية والمعنوية!.. بعد هذا حريّ بنا أن نعرف كيف ولماذا استوطن في عقولنا رُهاب الفكر، رُهاب الكلمة، رُهاب الرأي والتعبير، رُهاب الاختلاف، وغيره الكثير!.

أيها السادة، بكل بساطة وبكل رغبة لتأسيس مستقبل لائق، لا بد لنا من الاعتراف أننا، كباراً وصغاراً، بحاجة إلى إعادة صياغة من جديد.. نحن، ومواضيع تعبيرنا المترهلة وأدواتها المتهالكة!!.

كاتب وشاعر سوري | خاص موقع قلم رصاص

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

الأكاديمي الأنيق..!

لدينا أكاديميون مبدعون.. نعم مبدعون ليس في نطاق المعرفة، ولكن في القدرة على التكيّف.. إنهم …