آخر المقالات
الرئيسية » رصاص ناعم » داخلي خارجي
لوحة للفنانة السورية فيفيان الصايغ

داخلي خارجي

“سيكون اليوم يوماً مرهقاً بلا شك”

هذا ما حدّثت به نفسَها وهي تفركُ عينيها قبل أن تفتحهما، لا وقتَ اليوم لتشرد شرودها الصباحيَّ المعتاد الذي يسبق نهوضها من السرير، فغادرت الغرفةَ بسرعة إلى الحمام معلنةً بدايةَ يوم حافل، يومٍ يفيض بالحياة والحركة في اتجاهاتٍ شتّى:

– قررت أن تنتهي من المهام الأصعب أولاً، فسارت بإبهامها مطولاً حتى وصلت إلى (عفراء الذهب)؛ زميلتها في دروس اللغة الفرنسية التي أخذتها منذ سنة، وكتبت:

“رحمه الله وأسكنه فسيح جناته”، وذلك دون أن تعلم طبيعة العلاقة التي تجمع عفراء بالمتوفَّى، فلا هي سألت ولا عفراء أوضحت في النعوة التي نشرَتها، المهم أن واجب العزاء قد أُدّي وقد كان من المفروض أن تنتهي منه البارحة بعد منتصف الليل عندما أوقفت النعوةُ رحلةَ إبهامها، لكن الشبكة السيئة حالت دون ذلك.

– واصل الإبهام رحلته بسلامية صلبة وواثقة يقفز بها فوق مواقف حياتية كثيرة، لكن سحر الإطلالة ورقّة الساتان المنسدل على جسد (ميمي سعد) الممشوق جمّدا الإبهام فوق ميمي لتكتب به:

“ملكة الساتان، الأحمر يليق بك يا حلو”.

– المحطة السابقة استدعت إلى ذهنها صورة التنورة الحمراء التي سبق وأن أعجبتها لدى (For my lady)، فغيرَت بوصلة إبهامها إلى خانة البحث وطبعت الاسم، من حسن الحظ أن التنورة كانت في آخر منشور لذا سارعَت إلى حفظ الصورة، ثم توجهَت إلى قسم الدردشة في الصفحة وأرسلت لهم الصورة مرفقة باستفسار عن السعر.

– بدأَت بالتثاؤب، وهنا لامت نفسها -كما تفعل كل يوم- لعدم قدرتها على تأجيل ملامسة إبهامها وأصابعها كلها للهاتف عشرين دقيقة، عشرين دقيقة فحسب بعد استيقاظها.

عشرون ثانية هي كل ما تستغرقه فقرة اللوم اليومية لتنهض بعدها متجهة نحو الطاولة المجاورة حيث يصطف إبريق التسخين الكهربائي، وكيس كبير من النسكافيه، وعلبة شاي، وعلبة بسكويت، وعدد من أعواد السكر الصناعي المغلفة، وبعض الأكواب الورقية.

– خمس دقائق تفصلها عن بداية المحاضرة، اختارت أن تسجل دخولها وتنتظر دخول الأستاذ وزملائها في حين تقفز بأصابعها على شاشة الهاتف بين الملاحظات والصور لاستذكار بعض المعلومات، دون أن تنسى ارتشاف قليل من فنجان النسكافيه بين كل دقيقة وأخرى من هذه الدقائق الخمس.

كان صوت فيروز ينساب من مكان ما خارج الغرفة ترافقه دندنة الأم، غزلَ الصوتان بخفةٍ وانسجام خلفية موسيقية خفّفت من وطأة صوت ثالث؛ صوت رجل خمسيني يصدح من حاسوب محمول تجلس أمامه فتاتنا مع فنجان نسكافيه فشل في استحضار تركيزها.

– ساعتان كاملتان قبل أن تتهالك على السرير مغمضةً عينيها، لا بأس في الاستماع إلى أصوات الطبيعة والاسترخاء ريثما تنتهي فترة الاستراحة بين المحاضرتين.

“عشر دقائق فحسب من الاستماع إلى هذا المقطع كفيلة بشحن طاقتي لعشر ساعات”

حدثت نفسها، ارتخت عضلاتها، ابتسمت عندما قفزت إلى ذهنها صورة الفراشات الحائمة فوق تويجاتِ شقائق النعمان وذلك بالتزامن مع صوت رفرفة أجنحة تضرب برفق سطحاً رقيقاً، أما صوت تدفق الماء في مصبٍّ ما فهو ما جعلها تغرق في نوم لذيذ قبل انقضاء العشر دقائق حتى.

– ولأنها ليست المرة الأولى التي تعود فيها للنوم بعد استيقاظها، فقد اعتادت على ضبط المنبه على وقت انتهاء الاستراحة كي لا تفوتها المحاضرة التالية.

“لماذا لا توقظني أمي كما تفعل الأمهات عادة، أو على الأقل تتفقدني بين الحين والآخر وتسألني عن مجريات يومي؟”.

لا تسمح لهذا السؤال بالمكوث طويلاً في عقلها، إذ لا وقت لفتح باب تداعي المسبباتِ والأفكار فالمحاضرة الثانية ستبدأ.

– لم تُسكِت قطعة البسكويت التي تناولتها خلال المحاضرة صراخَ معدتها، وحان موعد أشد الفقرات اليومية إنهاكاً:

الاجتماع العائلي على مائدة الغداء، عائلتها المكونة من الأب والأم، و…فقط.

أغلقَت باب الغرفة خلفها عازمةً على المضيِّ في عادتها الجديدة التي مرّ على اكتسابها لها عشرة أيام، لطالما يكون اكتساب العادات الصحية صعباً ومتعباً في البداية ثم تخف وطأته النفسية بمرو الوقت، ما عدا عادتها الجديدة هذه التي قلبت الآية:

فهل هناك ألذ من الطعام الذي يتناوله المرء بمفرده بهدوء وسلام، وذلك دون تطفل أحاديث المشاركين له في وجبته؟ لا يصح تسميتها بـ”أحاديث”، فالمحادثة التي تفتقر للتفاعل الحقيقي والإصغاء وإبداء الاهتمام لا يوجد مسمى لها غير “ثرثرة”.

– ماذا يحدث الآن في الغرفة التي تنتظر عودةَ صاحبتها؟

 الهاتف مرمي على السرير، تُسمَع أغنية  “Me, Myself and I” بخفوت من السماعات السلكية الموصولة به.

الحاسوب المحمول كحارس القلعة الذي تخفي خوذتُه وجهَه النائم، ينتصب بثقة على طاولة المكتب لكن في وضع النوم وبشاشةٍ مظلمة.

الهواء يجتهد في إزاحة الستارة لكنها ثقيلة ولم تتزحزح أكثر من بضعة سنتيمرات، وهي منسوجة أيضاً من قماش سميك مما جعل حالة الطقس في الغرفة “غائم كلياً” في الفصول كلها، حتى لو مزّقت الشمس في الخارج ثقبَ الأوزون ليتحول اسمه مثلاً إلى فتحة الأوزون أو شق الأوزون.

على طاولة المكتب أمام الحاسوب المحمول، بدأت فتافيت البسكويت المتناثرة تتحرك بانتظام ضمن رتل أحادي يخفي تحته سربَ نمل نشيط.

تحتشد لا منطقيةُ العالم كلها وتُسقِط الوسادةَ عن السرير إلى الأرض، تسقط فحسب، هكذا…

تتضافر العناصر السابقة مع بعضها في مشهد أكسبه صوتُ دقات الساعة الجدارية فضاءً مسرحياً يشي باقتراب حدوث شيء ما، تفجر قنبلة موقوتة مثلاً…

– عادت، فتحتِ البابَ وأغلقَته، لكنها لا تستطيع التوقف عن ذرع الغرفة جيئة وذهاباً والصحن في يدها تأكل، وتمشي…

 تأكل، وتمشي، وتفكر…

 تأكل، وتمشي، وتفكر، وتشتم حظها الذي جعلها ابنة أم تقليدية لا تستطيع مواكبة العصر وأبناء هذا العصر…

 تأكل، وتجلس على السرير، وتزيل السماعات عن الهاتف، وتشغل حلقة من مسلسل Friends  لتنسى الاستفزاز الحاصل منذ قليل في المطبخ:

“انزواؤكِ في غرفتكِ بهذا الشكل لا يجوز، تدرسين في الجامعةِ الافتراضية، تمام.. حفظنا هذه الأسطوانة المشروخة، لكن لمعلوماتك، تناولُ الوجبة الوحيدة التي نجتمع خلالها معاً لا يحتاج إلى إنترنت، ألا تسمعينني! إلى أين تأخذين صحنكِ؟ أتحدثُ معك…ألا تفهمين؟”.

شعرَتْ أنّ ضحك الجمهور في خلفية مشاهد المسلسل ما هو إلا ضحكٌ على قولِ الأم الذي لم يفارق ذهنها في أثناء مشاهدتها الحلقةَ، لم تُضحكها دعابات “تشاندلر” هذه المرة، فرمت الهاتف جانباً ونهضت سائرةً باتجاه النافذة، أزاحت الستارة السميكة لتتأمل المشهد في الخارج:

طبقةُ الأوزون اليوم بخير فالجو غائم، ووجوه المارة كذلك غائمة، كل واحد يسير إما شارداً في جدران غرفة داخل رأسه، وإما مستغرقاً في الشرود داخل هاتفه، كم هو ممتع تشاركُ وجبة مع قبيلة الشاردين هذه!

ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها حين قفزَت إلى ذهنها الفكرةُ الأخيرةُ، ستحقِّقُ لها الوضعين المتناقضين: ممارسة طقس جماعي دون التخلي عن استغراقها في فرديتها إذ إنها ستكون مائدة صامتة، ستترأس هي هذه المائدةَ وستكون لغة التواصل الإشارات، فمن يُرِد الأكلَ من طبق بعيد عن متناول يده فسيطلب إلى الشخص القريب من الطبق بإشارة من سبابته، ومن يرد ملعقة بدل التي وقعت على الأرض فسيطلب أيضاً إلى الشخص الأقرب من معدات المائدة بضم الإبهام إلى السبابة ثم رفعهما معاً إلى الفم، وكذلك الأمر بحركة مشابهة بالنسبة إلى من يريد شرب كأس ماء بعد أن غصَّ بقطعة لحم كبيرة، أما من…

هذا الصمتُ الجماعي العذب من المحال أن يعيش طويلاً حتى لو جُبل من الخيال، فصوتُ الأم يهدمُ كلَّ غرفة تهرب إليها في خيالها:

“لم أعد أستطيع تحمل تصرفاتِ ابنتك الغريبةِ هذه، لا بد من أخذها إلى طبيب نفسي أو طلب استشارة على الأقل، ما بك أنت الآخر؟ ألا يكفيني توحّدها حتى تبدأ الآن التصرفَ على منوالها؟ اترك هاتفكَ اللعينَ وركز معي قليلاً، الآن عرفتُ مورثات الغرابة لديها من أين نبعت، آه… يا لسوء حظي! ماذا فعلتُ حتى بلاني الله بكما؟…”.

لم تسمعِ التتمة لأن إشعار وصول رسالة صوتية على تطبيق الواتس انتشلها من الواقع والخيال معاً، لتعود مجدداً للشرود في عالم آخر:

عالم داخلي خارجي

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن رغد جديد

رغد جديد
كاتبة قصة قصيرة من سورية، طالبة ماجستير لغة عربية.

شاهد أيضاً

في حضرة الغياب

وحدهم أولئك الذين يتقنون فن الغياب قد فهموا لعبة الحياة، فلا تنفك هي تبحث عنهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *