آخر المقالات
الرئيسية » رصاص ناعم » «صدفة حب» قصة قصيرة

«صدفة حب» قصة قصيرة

فكرية شحرة |

الكاتبة والقاصة اليمنية فكرية شحرة
الكاتبة والقاصة اليمنية فكرية شحرة

كانت مصادفة, قادتها أصابعها وبعض الفضول، فرسمت لوحات جميلة التقطتها من أعماقها بعدسةٍ حساسةٍ خيالية، وغلفتها بعبارة “سري للغاية”. ولع الفضول جعلها تبحث عن حقيقة هذا القلب البعيد.

ربما سمعت دقاته تفكر في فتح أقفالها العصية فعشقت تلك الكلمات وما ينطق العقل، وصارت قرباناً بلا آلهة، ناسكة أخرى عذراء القلب في محراب الحب، واستحال الفضول إلى إدمان وولع.

صار اليوم كله صباحاً مشرقاً، وسكينة الليل علقت على المشانق. صارت الحروف كلها سبياً في المعارك، لا تقاد بالسلاسل؛ إنما بشوق جارف.

والكلمات صارت إماء راكعات تحت قدمي إله عاشق، يصرف الحب بقواعد وقوانين طبقا للمزاج الرائق. كانت صدفة، والقلب في غنى عن صدف تحدث في عالم آخر.

ذلك الصباح الذي أشرق مرتين، في مكانين مختلفين احتوى أحدهما الآخر. فقد أشرقت شمس أخرى في صدرها وهي ترى ذلك الرجل يقف منتصباً كالجبل وسط الساحة، وكل الرجال حوله حصى صغيرة.

 وقف يدعو الناس إلى اليقظة؛ فمازالوا نائمين منذ قرون، ما زالوا على سكرتهم يأكلون ويشربون فقط، ونسوا في زحمة الغرائز الحيوانية أن يفكروا أيضاً.

 من سياج نافذتها المطلة على الشارع الواسع، تأملت عينيه البعيدتين جداً، وشعرت بحزنهما وحنانهما الممزوج بالسخرية من كل شيء حولهما.

تأملت شفتيه الممتلئتين في إغراء، وذقنه الجرداء القوية، وجسده النحيل المرهق في صمود.

تأملته كثيراً، وحفرت ملامح روحه كنقش فرعوني لا يزول من قلبها أبداً، وحفظت كلماته القوية المهتاجة في جموع الناس؛ حفظتها ككتاب مقدس خاص بها.

 وما هي إلّا ساعة حتى اختفى واختفت معه أشياء كثيرة؛ أشياء كانت مهمة، كالراحة والسكينة، وأشياء كانت غير ذات بال، كالرتابة والنقاء.

وهنا بدأت قصتها.

كانت قصة طرزها الخيال بإبر حادة وجعها أكبر من متعتها؛ فكل الأماكن الجميلة التي زارتها في مخيلة الأحلام المنتشية بالوهم، كلها تشي بقصة خارج نطاق الحقيقة والمألوف. لقد عشقت وهماً كبيراً، وكثير من الكلمات التي لم تُقل لها، قيلت لآخرين أو أخريات.

لكن هي من عشقت الكلمات، وعاشتها بكل حواسها، وكان يجب أن يشاركها خيالها هذا الكائن الجميل، فصنعته بعناية.

 كان يجب أن يدرك أن خلف إحدى النوافذ عاشقة تسترق النظر لشيء لا يخصها، وأن يدرك كم هي مميزة في روحها؛ تكاد أن تكون نصفاً لروحه. وفي خيالها الفسيح بادلها النظر، وارتسم الفضول في عينيه الحانيتين.

تحدثا حديثاً عابراً؛ أرادته حديثا عابراً يثير الفضول كي يكون هناك موعد آخر.

في خيالها المترنح، كان هناك كل يوم موعد جديد وشوق يتزايد. حين يلتقيان، ترتدي الكلمات وتتزين بحروف الدفء الصادق. تتمنى أن تلمح في عينيه إعجاباً يشبه هذا الحب الذي في قلبها.

–       شكرا لأنك تشرقين.

كانت أول كلمة سمعتْها .. وغشيها السكر. ترنحت لدفء الكلمات؛ كأن الشمس أشرقت في جسدها كله.

أصبح الامتنان للّقاء صلاتها اليومية. تتشوق _ كالظمآن _ لكلمات تذهب وتأتي في كل واد إلّا واديها. لكنه سبيلهما معاً. أذهلها هذا الجمال الروحي المتعالي في غرور، وذابت كل حصون الشمع أمام الوهج المتألق كالسحر.

 في خيالها المنهك من الشوق، تفقد السيطرة على قلبها، فيغتصب قلبه في لحظة ضعف:

–       أحبك

قالتها كل الجوارح وهي تلهث بالهزيمة … لقد سقط الصبر.

ظل مدهوشاً. ربما يحب الرجل أن يبقى رجلاً؛ لا أن تغتصب امرأة مشاعره جهراً.

وكانت تعلم أن أي تصريح يدلي به سيكون مجاملة أو ذكاء. كم تمنت أن تقرأ أفكاره في تلك اللحظة حتى لا تموت.

تمنت كثيراً أن يكون هو من قالها أولاً؛ لكنه لن يقولها أولاً أبداً.

ربما لأنها ليست جزءاً من خياله الفسيح. ليست سوى شيء عابر في حياة رجل الصمت والأسئلة المعلقة التي لا تجد إجابة, رجل الخيال والانتظار والكلمات المتقاطعة. لكنه قالها وأسرف بعدها في قولها؛ بل جعلها إجابة لكل سؤال لا يريد أن يرد عليه.

 جعلها نقطة في آخر كل سطر، وبداية لصفحة جديدة. ربما لأن خيالها من أرغم لسانه على قولها. ربما لأنها اغتصبت لسانه في كل مرة تفكر به.

 في خيالها الملتاع صورة اللقاء الأول، هل كان جسدها  النابض بالشوق واقفاً أم كانت جالسة؟ هل رفعت عينيها تتأمل ملامح نسختها مخبأةً في الداخل، أم انكسرت نظرات

الشوق المذل؟ هل مد يديه، أم ألقت بجسدها؟ هل كانا اثنين أم جسداً واحدا؟ كان خيالاً عابثاً بالخيال.

تخيلته على أكثر من رواية رواها قلب يعشق الأساطير؛ لكن كل الحواس أجمعت أنه كان أكثر الأحلام فضفاضية واتساعاً، وألذها وقعاً.

 في كل مرة، تكثر التفاصيل وتزداد حدة في الارتواء. حتى أصبح لعبة في أوقات الفراغ، تستمد منه طاقة ربما حتى يأتي اللقاء.

على قارعة الخيال والوقت بلا زمن، عاشت تفاصيل الحلم  الدقيقة حين كان يحلو الخصام. تمرغ قلبها في ذل الاعتذار واستجداء العاطفة، وكان متوحشاً في البذل والغفران، شحيحاً كأن خيالها عجز عن ترويضه.

 لكنها عشقت حتى قسوته، وكل تفاصيله الصغيرة. الناس فيما يعشقون مذاهب؛ ولقد ذهب بها عشقها حد الجنون.

 لكم تساءلت: هل يستحق كائن يقبع في منطقة بين الوهم والسراب كل هذا التيه في الحب؟!

فحين يكتسحها الشوق كثلج الشتاء ويوقف فيها سير العروق، تحن كثيراً لصوت حقيقي ينطق الحروف، يلفظها بزفرة حيناً، وحيناً بصوت شهيق. تهمس: “أحبك” سبعين مرة؛ كأنه ورد من الاستغفار، علّ النسيم يحملها إلى أذنيه فيدرك أنه مازال في الدنيا إماء لعاشق جبار.

في ركن خاص وجميل من خيالها الخصيب، التقته بعد استجداء مميت. دائماً تستجديه اللقاء وتستجديه الحروف؛ كأنه كان غاضباً، متبرماً من لهفة وإلحاح أصبحا يرهقان أوقات الفراغ.

قال:

–       ألا تملين هذا الخيال؟

وابتسم:

–       أحب لهفتك وجنونك!

همست:

–       أما أنا فأحبك كلك. لقد روضت خيالي حتى صار قانعاً بخيالك، قانعاً بكلمات تشبه الأحجار أحياناً، تدمي وتوجع، وأثرها كدمة سوداء في صفحاتي.

–       دائما تعشقين العتاب، وتزينين صبارك بالشوك في وجهي. سامحيني. أعرف أن قسوتي تؤلمك. أنت حبيبتي التي جاءت متأخرة، التي أتت وقد نضبت حروفي، وتغير مجرى مشاعري إلى وجهة هي أبعد من احتمالي.

همست بوهن:

–       أعتذر، ويا الله كم أقولها. أقبل منك ما تفيض به مشاعرك ووقتك، فأنت معي في كل وقت وحين. أنت داخلي أنا، وأنا أستحضر روحك كلما اشتقتك. فلا تجعل خيالي يرهق خيالك.

–       أنت لا تفهمين. أخشى عليك وعلى نفسي خيالك، هذا الخيال شائك وحوله حفر الواقع وقيوده. كفى عبثاً بوقتي ووقتك.

–       أتقصد أن تحرمني من وجودك؟!

_بل أحرم نفسي وجودك. لدي ما أهتم به وأصرف عليه تفكيري ووقتي. لدي حمل كبير فلا تزيدي أحمالي بوجودك. أنهكتني الحروب وأرغب في النصر الأخير!

تجمدت، ثم تكسرت شظايا صغيرة على صورة  حروف نطقتها بوجع:

– وماذا قد خسرت من أجلي؛ بعض الكلمات الجافة كطوب المباني، أم هي بقايا مشاعرك المجمدة في ثلاجة صدرك من زمن المشاعر العابرة في حياتك؟ ماذا قد خسرت من أجلي يا حبيبي؟ وأنا التي أوقفت لك خزائن حبي، أنا التي أقمتك إلها لقلبي، أنا التي بعتك كل أيامي وروحي؟!

إنما .. اذهب، أنا صنعتك من خيالي. كل جمال روحك أنا تخيلته. أنت قاس كحد السيف، بارد كالحديد, مؤلم كالموت، عصيٌ كأنت..

واستفاقت بخيال مريض، ظامئ لوجود المستحيل. كم تمنت أن تلتقي عينيه حين الوداع؛ ربما تلمح فيهما بعض الحنين أو رغبة في البقاء.

 كان أقسى من أي خيال. ربما تنساه يوماً، ربما أو حتى تنسى نفسها، ربما يأتي يوم لا تشرق فيه الشمس كي تذكرها كيف كان يشرق كالشمس في قلبها، ربما تتصالح مع خيالها؛ فيكف عن تعذيبها بخياله..

كاتبة وقاصة من اليمن | خاص موقع قلم رصاص

عن قلم رصاص

قلم رصاص

شاهد أيضاً

داخلي خارجي

“سيكون اليوم يوماً مرهقاً بلا شك” هذا ما حدّثت به نفسَها وهي تفركُ عينيها قبل …