الطوفان

تقوم الدنيا ولا تقعد عندما تعرض المحطات التلفزيونية لقطات نسائية تحديداً، لتصرفات أو ملابس أو حتى تلميحات جنسية، وينطلق صوت الانتقاد عالياً على هذا الإسفاف التربوي الخطير الذي يجتاح المحطات المحلية التي تبحث بالسراج والفتيلة عن زبون متفرج تحقنه ببعض الإعلانات التجارية، وهنا لا أريد المقارنة ولا أتقصدها مع محطات محتشمة وأخرى تدعو إلى القتل الحلال، فالفضاء الواسع والمفتوح أوسع مما يمكن ضبطه وتقنينه وترشيده، كما أن الأدوات التربوية الاحتشامية أضعف بكثير من مبتكرات التكنولوجيا التي بإمكانها اجتياحه عند أي سؤال صغير لطفل يتساءل كيف أتى إلى الحياة؟ فليس لأحد المقدرة على منع أي أحد متابعة أي شيء طالما أراده، ولكن المقارنة التي أسعى إليها هنا، هي عن الصمت الذي تقابل به مشاهدات وسائل التواصل الخاصة، من “الواتس أب” وحتى أنواع الفيسبوك ومتشابهاته، فهذه المحطات التلفزيونية الصغيرة لها المقدرة على بث وتلقي ملايين الفيديوهات القصيرة والطويلة محطمة كل تابو وأي تابو، ولكنها تقابل بالصمت لا أحد يعترض أو يحتج على اقتحامها عالمه الخاص، لم يحتج أحد على وصول الفيديوهات والمحادثات الخاصة الفاحشة إلى تلفونه أو شاشة كومبيوتره! وها هي تهطل كالأمطار المدرارة على شاشاتنا الخاصة نحملها ونتفرج عليه ثم نعيد إرسالها كطرفة إلى صديق أو قريب.

المقارنة هنا هي حول ردة الفعل على المادتين البصريتين المعروضتين  مع فارق الكشف لصالح الشاشات الخاصة، حيث يمكن أن يكون الفيديو الواصل إلى شاشتك هو نفسه وفي نفس الوقت إلى أصدقائك في العمل من النساء والرجال، وهو نفسه موزعاً على أفراد أسرتك وعائلتك وهم جالسون حولك، إذا ما الفارق أن يكون المعروض على شاشة قناة فضائية هو نفسه المعروض على شاشتك الصغيرة الخاصة؟ الفارق كما هو واضح هو المشاهدة الجماعية، بمعنى أن هذه المشاهدة الجماعية هي حاصلة بكل تأكيد ما دامت قد وصلت إليك بكل هذه السهولة  وعدم الاستئذان، ولكن إنكار مشاهدتها البدهي الأتوماتيكي يبدو مقبولاً لدى الجميع ومتفق عليه، وكأن أحداً لم يشاهد شيئاً، وكأن هذا الفيديو أو ذاك وصل إليك وإلى الخاصة من علاقاتك الشخصية الذين يحتملون رؤية هكذا أشياء دون أن ينحرفوا، أما الباقي من أفراد أسرتك (مثلا) ومع علمك أن هكذا أشياء تصل اليهم دون إستئذان فإنك تنكر أن يكونوا قد شاهدوا أشياء وسخة كالتي تراها أنت، وبالتالي فإن الحتجاج يفقد معناه، إذا كان مشابها لاحتجاجك على البرامج التلفزيونية للمحطات العامة، مع العلم أنه لم يعد في المنازل جهاز تلفزيون وحيد للجميع بل أصبحت جميع غرف المنزل قد زودت به، وبحيث لا ينفع معها أن تطرد أحد من أمام شاشته حتى يعبر المشهد الخادش للتربية السليمة.

ما أنتم بفاعلون؟ ..ومن يحتسب الوقت اللازم لتحميل الفيديوهات ومشاهدتها وإعادة إرسالها يمكن أن يصل إلى أرقام مدهشة من زمن اليوم الواحد، ومن يحتسب هذا الكم المدهش من المشاهد البصرية الطريفة (مهما كان تصنيفها) يعتقد أن هناك انتهاكاً فاضحاً لخصوصيته حتى يتذكر أنه هو أيضاً ينتهك خصوصية الأخرين بنفس المقدار، إن الكم الهائل للفيديوهات المتداولة بغض النظر عن نوعيتها يحتاج الى تفرغ جزئي لمتابعتها، ومع هذا هناك الوقت الكافي لذلك ومن دون إحتجاج على النوعية، إذ ماذا يمكن للناس المحتجة على فيديوهات المحطات التفلزيونية أن تحتج على فيديوهات المحطات الخاصة هذه؟

إنه طوفان ثقافي يجتاح العقول والمخيلات، إنها قيم جديدة، ليس من سبيل الى منعها أو تقنينها، وهناك طريقة وحيدة هي التعامل معها ،بعد الاعتراف بها، وهنا مربط الفرس، بأي عقل أو ثقافة يمكن التعامل مع هكذا عروض بصرية فائقة الطرافة والجذب؟ بغض النظر عن الرأي العلاني بها؟. إنها لحظة ارتباك ثقافية خطيرة ونحن في هذا الفصام العملي الذي نواجه فيه مسألة نرفضها علانية ونقبل عليها سرياً؟ هل هو الكبت المعرفي؟ أم هو تقنين وترشيد لمعرفة لا ندري إذا كانت نافعة أم ضارة؟ وماذا بعد؟ لا شيء سيستمر التغيير دون أن يكون لنا إرادة في رفضه أو قبوله.

لو لم يكن لهذه الفيديوهات سوق كبيرة ومشاهدون كثر لكسدت هذه البضاعة وماتت هذه التجارة، ولكن الواقع يثبت أن الطلب على أزدياد، والدفع بالميغابايت الذي من غير المستغرب أن يصبح عملة رائجة وموحدة لهذه الكرة الأرضية..

ما أنتم بفاعلون؟ وهل هي أزمة فعلاً؟ وهل هي مؤذية فعلاً؟ وما هو غير المؤذي في حياتنا المعرفية الثقافية التي نعيش؟ إنه طوفان من الضياع، أسئلة تطرح، ولا إجابات، ولا جرأة على الإجابة، ولا مقدرة على تبني إجابة وممارستها، وإنه لغط سمي إحتجاجا وليس من أحد بقادر على العيش في العصر وتغيير ما يحتاج الى تغيير دون أسف أو لوعة، أنه نفق مجهول لا ينتهي ..سنمشيه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً..

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

رياض الريس.. سيرة مفتوحة على الآخرين وناشر تجرّأ على المحرّم

غيّب الموت أول من أمس رياض نجيب الريس (1937- 2020)، «آخر الخوارج»، وصاحب البصمة الاستثنائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *