الرئيسية » رصاص خشن » وحيدٌ مع الليل

وحيدٌ مع الليل

كنت في لحظة كآبةٍ عارمة، لم أجد فيها من يستمع إليّ. أولادي ذهبوا إلى النوم، فوجدت نفسي وحيداً ككمانٍ فقد قوسه، مهجورٍ في ركنٍ لا يمرّ فيه أحد.

زوجتي تجيد الاستماع.. لكنّها رحلت منذ زمن.

أردت أن أتحدّث إلى أيّ أحدٍ من أطفالي، بيد أنّ إيقاظهم من النّوم فكرةٌ أنانيةٌ في هذا الوقت من الليل، عدا المشقّة التي سوف أتكبّدها في الوصول إلى غرفهم.

لديّ هنا ماءٌ و قهوة، رغم أنّها باردة، إلّا أنّ تسخينها ليس مبرراً لإزعاج أحد.

ما الحلّ إذن مع هذهِ الكآبة التي تسلّلت إلى روحي؟

طال هذا الليل وأعتقد أنّ ساعاتٍ كثيرةً تفصلني عن الفجر.
وحيدٌ.. والشعور بالاضطراب يلازمني وكأنني أحمل مدينةً من الهمّ بداخلي. الوحدة قاتلةٌ لرجلٍ مثلي اعتاد صخب الأطفال و ضجيجهم حوله..

بدتْ لي الكتابة، مهنتي القديمة التي تخلّيت عنها منذ سنين طويلة، الملجأَ الوحيد لما أنا عليه من حال. إلا أنّ ثمة رغبة جامحة تشدّني إليها الآن؛ رغبة في اللجوء إلى الورق، علّه يُذهب هذا اليأس.

نهضت من سريري إلى طاولةٍ لا تبعد عنّي أكثر من خطوتين، تناولت بعض الأوراق من أحد الأدراج وقلماً أحفظ مكانه تماماً، وشرعت أكتب.

لم أجد مشقّةً في الكتابة، كانت الأفكار تصطفّ في رأسي وكأنّها في طابور، وتمرّ بازدحامٍ عبر فوّهة القلم.

أكتب و أكتب و أكتب.. حتّى شعرت بتحسّنٍ طفيفٍ في مزاجي و بدأت أتعايش مع وحدتي وأسيطر بعض الشّيء على كآبتي، هكذا حتى أطلّ الفجر، الوقت الذي تستيقظ فيه ابنتي الكبرى للصّلاة.

رغم إلحاحها عليّ، إلا أنّني لم أطلب منها شيئاً سوى أن تأخذ ما كتبت وتدوّنه – متى شاءت – على جهاز الحاسب، لأنّني كتبت شيئاً -أظنّه- جميلاً..

ارتبكتْ ابنتي واختنق صوتها فجأةً رغم أنّها لم ترفض طلبي. ثم مضت دون أن تزيد بكلمةٍ واحدة.

لم أكن أعرف أنّني كنت أكتب على أوراق قد كُتب عليها سابقاً. عرفت هذا من ضحكات ابنتي الصّغيرة في الصّباح.. تبّاً لفقدان البصر!

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن إبراهيم حميدي

إبراهيم حميدي
كاتب ومترجم سوري يُقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، مواليد حلب 1989، يحمل إجازة في الأدب الإنكليزي، إضافة إلى شهادة في الكتابة الإبداعية وأخرى في التصوير القصصي من أكاديمية دوتش ڤيلا الألمانية، صدر له "ثورة حب وانكسار قلب" عام 2015.

شاهد أيضاً

في مديح النيكوتين

التدخين سبب رئيسي للإصابة بسرطان الرئة. هذا ما تردد السيدة (جو ويل) دائماً، لكن زوجها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *