الرئيسية » رصاص خشن » أسرى الأوطان

أسرى الأوطان

أسرى الأوطان نحن، نحبّها بحنانها وقسوتها وجموحها، ونحملها بقلوبنا أينما رحلنا. تلك الأوطان التي فرشت أرضها بأشلائنا ونصبت لنا الكمائن والفخاخ وجعلتنا نرقب سماءها خوفاً من القذائف والصّواريخ. نتعلّق بها تعلّق طفلٍ بأمّه، لا نبحث بأسباب التّعلّق، حبّ الأمّهات أكبر من أسبابه.

أسرى الأوطان نحن، رغم أنّنا أصبحنا وقوداً في حربٍ عبثيّةٍ ابتلعت كلّ شيء ودفنت أحلامنا في مقابرها الجّماعية. لا سببَ يلغي حباً وُجدَ بلا سبب!

أسرى الأوطان نحن، في قلب كلٍّ منّا وطن، نرتبط به عبر السّنين ارتباط القصيدة بمعناها، بل ارتباط الجّنديّ بسلاحه في أثناء المعركة.. إذ لا شيء أغلى ولا شيء أبقى. نحفظ مدنه وحواريه وشوارعه ومقاهيه، وتعيش فينا مآذنه وكنائسه.  نأخذ عنه حبّ الجّغرافيا حبّ بقاءٍ.. لا حياة للأسماك خارج الماء.

أسرى الأوطان نحن، من حجارتها تعلّمنا الكتابة والحبّ، وكتبنا للنّساء نصوصنا المقدّسة ورسمنا وجوههنّ بألوانٍ من الياسمين، وأصغينا السّمع إلى صوت فيروز أثناء الرّسم.. فلم تكبر الوجوه ولم تهرم.

أوطاننا ذاكرتنا وصورتنا وتكويننا، يتبّدد فيها العمر، كلّ ما مرّ يومٌ، زاد في صيرورتنا أياماً.. في الوطن لا ضياع ولا حسرة على السّنين.

وجاء زمن الأشباح، وتحوّلت حجارة الأوطان إلى حصىً، واغتيلت القصيدة بدمٍ باردٍ، و استُبدِل صوت فيروز بأصوات المدافع..
تغيّر شكل الوطن، صار أكثر عصبيّةً وأكثر نزقاً وراح يدقّق في ملامحنا أكثر..

لكننا أسرى الأوطان نحن، حبّنا علاقةٌ مرَضيّةٌ، لا نحيد عن حبّ الوطن، وإن لم يفتح ذراعيه لاحتضاننا، وإن ملأ ساحاته بالحواجز بدل الورود، وإن وضعنا في حيرة الاقتراب والابتعاد (تعا ولا تجي واكذوب عليي)..!

نهجره، الموت في البحر أوجع للسّمك.. فلا لوم إن هرب إلى اليابسة «لو تُركَ القطا ليلاً، لناما». نرحل مرغمين إلى أبعد أصقاع الأرض. لكننا لا نتأقلم في أيّ مكانٍ آخر..
 نبقى فيه فنشقى، ونبتعد عنه فلا نعيش.. إنّنا حسبُ خارج الزّمان.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن إبراهيم حميدي

إبراهيم حميدي
كاتب ومترجم سوري يُقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، مواليد حلب 1989، يحمل إجازة في الأدب الإنكليزي، إضافة إلى شهادة في الكتابة الإبداعية وأخرى في التصوير القصصي من أكاديمية دوتش ڤيلا الألمانية، صدر له "ثورة حب وانكسار قلب" عام 2015.

شاهد أيضاً

الأكاديمي الأنيق..!

لدينا أكاديميون مبدعون.. نعم مبدعون ليس في نطاق المعرفة، ولكن في القدرة على التكيّف.. إنهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *