الرئيسية » رصاص عشوائي » دمشق 2020: كلّ هذا الهلاك

دمشق 2020: كلّ هذا الهلاك

لا احصاءات تخصّ دمشق 2020، فالمدن المنكوبة لا تحتاج إلى فواتير لقياس منسوب الجحيم. بلاد متروكة للعزلة المزدوجة، عزلة سنوات الحرب الطويلة، وعزلة الوباء، من دون غرف انعاش لإنقاذ المرضى.

هكذا كان “كوفيد 19” حلّاً تقنيّاً لإخفاء أسباب الموت الأخرى، فنحن نموت مثل الانكليز والطليان والإغريق. ندفن الموتى في مقابر الغرباء بلا مواكب، فقط نحصل على رقم غامض في جمعية الموتى، في حال فكّرنا بزيارة أحدهم يوماً ما. مات الشاعر بندر عبد الحميد في ليلة باردة من شباط (فبراير)، ولم يصحبه أحد تقريباً، في الطريق الموحش إلى العزلة الأبدية. وغاب آخرون، من دون أن يسمع بغيابهم أحد، عدا تلك المراثي العجلى على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

لكننا في المقابل، أقصد نحن السوريين «تريند» بكل أسباب اللانجاة، «تريند» في الأسى والفقدان والوحدة، نبتكر طرقاً التفافية لتدبير معنى العيش. مشاريع مؤجلة، وأخرى مجهضة، في بازار ثقافي مفتوح على اللامعنى، كأن كل هذه الطعنات لم تتمكّن من نفض الغبار عن معاجم الهباء، ذلك أن ورشة «مكانك راوح» هيمنت على منصات الفعل الثقافي بقوة دفع الشعارات والضجيج والمخيّلة المعطّلة. لن نتذكّر عرضاً مسرحياً مبهراً، أو فيلماً مدهشاً، أو معرضاً تشكيلياً نوعياً، بالكاد نضع كلمة «شوهد» على هذا العنوان أو ذاك، فالميزانيات المسروقة لا تعيد الرائحة إلى الصالات المعتمة. بلاد بلا جرائد، لا أحد يدخل المقهى متأبطاً جريدته: أين ذهب أولئك الذين كانوا ينهمكون بحلّ الكلمات المتقاطعة، ويفتشوّن عن كلمة السّر؟

كُتب مقرصنة على الأرصفة، ومواقع الكترونية تتسابق على نشر فضائح الفنانين، وحجم فتحة فساتين النجمات، فيما تطوى مئات القصص عن مشقة العيش. كنّا ننصت إلى ما تكتبه سلوى زكزك على صفحتها في الفايسبوك، عن أنواع الموت اليومي في شوارع دمشق، وعن النساء المحزونات، وعن ذلك الرجل الذي مات على بعد أمتار من عربة بائع البطاطا، من دون أن يتمكّن من شراء نصف كيلو بطاطا كوجبة للعشاء.

«مذلون مهانون» يحتاجون إلى دوستويفسكي آخر كي يؤرشف طبقات الذّل والإهانة واندحار الكرامة. شعراء عموديون يهتفون كالببغاوات لجمهورٍ نائم، وندوات عن فوائد العسل والثوم والبصل. كأن النصّ السوري خارج التقويم الأدبي أو أنه في غيبوبة، يكفي مشهد حرائق أشجار الزيتون في الجبال الساحلية لكي نندحر أمام قسوة الهلاك واستحالة الوصف. كانت الغابات تتهاوى، فيما شكّلت الحيوانات البريّة قافلة جماعية للنجاة. لم يلتفت الضبع إلى الأرنب بعدوانية، ولم يشتبك الخنزير مع الذئب، كانوا سلالة واحدة تفتّش عن النجاة، وتأجيل الحرب بينها إلى وقتٍ آخر.

السوريون كانوا يتقاذفون كرّات النار، وكأن الغابة شمالاً وجنوباً لم تتحوّل إلى رماد. في زيارة أخيرة إلى مرسم يوسف عبد لكي، كان منهمكاً في وضع اللمسات الأخيرة على إحدى جدارياته: زجاجة ضخمة وسدادة مهملة في الأسفل: لعله كان ينتظر تعبئة الزجاجة بالأوكسجين!

سلّة فارغة، وغربال للحصى، وألبوم للكارثة: آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

الأخبار اللبنانية

عن خليل صويلح

خليل صويلح
خليل صويلح، صحفي وروائي سوري (1959)، يعمل في الصحافة الثقافية العربية والمحليّة منذ منتصف الثمانينات وحتى اليوم. ألفَ ثلاث مجموعات شعرية: "افتتاحيات" و"هكذا كان المشهد" و"اقتفاء الأثر". ومن أعماله الروائية : "ورّاق الحب"، "بريد عاجل" و"سيأتيك الغزال" و"جنّة البرابرة"، و"اختبار الندم"، و"عزلة الحلزون". وصدر له أيضاً، "ضد المكتبة"، "نزهة الغراب"، حاز خليل صويلح على عدد من الجوائز الادبية والصحفية منها جائزة نجيب محفوظ عن رواية ورّاق الحب (2009)، وجائزة دبي للصحافة والإعلام (2010)، وجائزة الشيخ زايد هن رواية اختبار الندم (2018).

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *