الرئيسية » رصاص ناعم » غرفةٌ واحدةٌ وفيرجينيا وقلم رصاص

غرفةٌ واحدةٌ وفيرجينيا وقلم رصاص

في ذلك العصر الذي كانت فيه المكتبة منطقة محظورةً؛ محرّمٌ على النساء ارتيادها إلاّ بصحبة أستاذ من كلية ما، أو بخطاب توصيةٍ خاص، تبدأ الكاتبة الانكليزية “فيرجينيا وولف” كتابها “غرفة تخصُّ المرء وحده”، والذي اعتُبِر بمثابة مانفيسيتو الحركة النقدية النسوية في القرن العشرين بعد أن بلغت أوجها في سبعينيات القرن المذكور .

تطرح الكاتبة في البداية إشكاليات تتعلق بالامتيازات التي كان المجتمع الأبوي آنذاك بمنحها للذكَر، وتعطيه الحقّ في الوصاية على المرأة حتى في ولوج المكتبة، في الوقت الذي كانت تمتلك كل المقومات والقدرات على مسايرته في الإنتاج، وتحديداً الأدبي، وتكون ندّاً له، فتبدأ ثورتها قائلة:

“لا يبدو أن هناك للرجال ما يُزكّيهم للعمل الكتابي سوى أنهم ليسوا نساء”، فتحمل القارئ في رحلة البحث عبر السطور, عن الذنب الذي ألصقه بها المجتمع كونها وُلدت امرأة فحرمها من حقها في العمل والكتابة.

تغرق “وولف” في طرح الأسئلة. تعطي التساؤلات أكثر مما تعطي الأجوبة بطريقة يبدو فيها السؤال على أهمية أكبر من القبض على أدنى إجابة، كمثل استفهامٍ أوليّ عن السبب الذي كان يدفع الرجال إلى شرب النبيذ بينما كانت النساء تشرب الماء؟ أو لماذا كانت أحوال أحد الجنسين مزدهرة وموسرة بينما كانت أحوال الجنس الآخر على لك القدر من الفقر؟ ما هو تأثير الفقر على الكتابة؟ وما هي الشروط الضرورية لخلق العمل الإبداعي؟

تبدأ الحلول لديها من خلال طرح فكرة بسيطة في جوهرها كبيرة في تأثيرها، لو تأمّن الحصول عليها لرائدات الكتابة في تلك الفترة، اللواتي كنَّ يفتَحن سبلهنَّ في طريق الأدب كمن ينحت في الصخر. فكرة وافتراض مفاده “ماذا لو تأمّن لكل منهن غرفة منعزلة؛ غرفة واحدة ومعها نوتة ورق وقلم رصاص إلى جانب دخل ماليّ شهري منتظم”؟

الحرية والمال. كانا في نظر الكاتبة يمثلان السبيل الذي لو توفر لهنّ، لحَمَل صورة بهيّة عن واقع النساء الكاتبات في تلك الحقبة الزمنية. تلك الفترة التي كانت فيها النساء تعيش كما الوطاويط، ويعملنَ كالحيوانات في العتمة ويمتْنَ كما الديدان على حسب وصف الانكليزية مارجريت “دوقة نيو كاسل”، والتي كان من الممكن أن تكون شاعرة مهمة لولا أن الشعر في ذلك الوقت كان بالنسبة للمرأة التي تكتبه بمثابة وصمة عار.

تتابع ” فيرجينيا ” طرح الأسئلة. ماذا لو أن تلك الوردة الفريدة بداخلهنّ لم تكتب الشعر؟ ماذا تركت أسماء سيدات عظيمات كتَبْنَ بلا جمهور وبلا نقد، بعد أن حبسْنَ أنفسهنّ في حدائقهنّ الخاصة وسط الأوراق التي لم يكتبنها لأحد, سوى لبهجتهنّ الخاصة؟

وعبر السطور، تُبيّن الكاتبة أن تاريخ مقاومة الرجال لتحرر النساء كان أكثر إثارة من قصة التحرر نفسها, في زمنٍ كان فيه ذهن المرأة يرزح تحت ضغوط هائلة، وحيويتها تنخفض وتنقص بسبب حاجتها إلى مواجهة كمٍّ هائلٍ من عدم الرضا من قِبل المركب الذكوريّ الغامض والمهيمن، والذي كان له الأثر الأكبر على إخفاء الحركة النسائية في ذلك الزمن.

ذوات الجوارب الكحلية” التسمية الهزلية التي كان الجميع يصفهنّ بها إميلي برونتي؛ الفتاة المغمورة. جين أوستن؛ العبقرية التي كتبت روايتها الشهيرة “كبرياء وتحامل”. جورج إليوت، جورج ساند، دوروثي أوزبورن، وليدي وينتشلسي؛ المرأة التي كانت تكتب وتؤلف بكل المرارة والغضب، صاحبة العقل والوجدان المتصل برهافة مع الطبيعة. كيف لم يتسنّى لهنّ أن يُساعدنَ أنفسهنّ؟

ليس الجواب بعيداً كما تبين الكاتبة عبر السطور في زمن كان يجد أن كمالهُنّ الإنساني لا يتأتّى إلا من خلال الاعتراف الشجاع من قبلهنَّ بمناحي القصور التي يعاني منها جنسهنّ، وقبول النقد بالخنوع الذي قابلْنه بصمت واستحياء.

وبعدْ تُمعنُ “وولف” في تحليل المناخ الروائيّ الذي كان يقابل الحياة ويحيط بهنّ، لذا تجد أن القيم التي كانت تحملها الرواية إلى حدّ ما تشابه قيم الحياة الواقعية، لكن كان من الواضح أن قيم النساء تختلف في كثير من الأحيان عن القيم التي أقامها الجنس الآخر؛ تلك القيم التي كانت تسود دفعتها لأمثلة فجّة كقولها ” كان لعب كرة القدم أمرٌ هامّ أما الاهتمام بالموضة واللباس في تلك المجتمعات أمرٌ تافهٌ “ليتمّ بعد ذلك نقل القيم الخاصة بالنساء بشكل حتمي عبر الكتب المنتشرة في قولها “كانت الكتب التي يكتبها الرجال عن الحرب أهمّ من تلك التي كانت تتناول مشاعر النساء”.

وإذا ما قرأنا الصفحات ولاحظنا النتوءات والانتفاضات الصغيرة، ندرك أن تلك الأحوال لم يقدر لها أن تعبر على نحو تام ومتكامل عن عبقرية النساء في تلك الفترة، وأن الأحكام على أعمالهنّ كانت أحكاماً ملتوية مشوّهة وتتصف بالحُمق في الوقت الذي كانت تستحق أن توصف بالحكمة. ظروف شتى وأحوال دفعت كثيرات إلى النشر والكتابة في الخفاء، أو تحت أسماء مستعارة وذكورية.

غرفة تخصّ المرء وحده” كتاب مهم في تاريخ الفكر النسوي. يجوب أحوال النساء الكاتبات وتفاصيلهنّ، ويعرّي النظرة التي ما زالت تسود في بعض الأمكنة وحتى هذا العصر مع بعض الاختلافات الطفيفة. تطرّقت فيه الكاتبة لاستعراض آراء كبار زعماء العالم والقادة السياسيين حول المرأة؛ من هتلر إلى نابليون وموسوليني، وتنقلت في تفصيل العنف الذي مرت فيه عبر التاريخ مع إظهار النظرة الدونية التي قيدتها بالعفة والشرف والتقاليد البالية مع إرغامها على الزواج حتى وصل الأمر ببعض المفكرين أن اعتبروها كائناً بلا روح من رحم المعاناة، وتحت وطأة التخفي والانعزال والفقر، ماذا لو امتلكْنَ مناخاً أكثر حرية ساعدهنّ على تنمية ملَكاتهنّ العقلية. كيف ستكون أعمالهن؟ ربما ستكون أكثر عبقرية وإبداع ؟

وقبل أن تُنهي دراساتها تتوّج “فيرجينيا” الهدف البعيد من إصدار هذا الكتاب، والذي يندرج تحت إعطاء المرأة حقوقها الطبيعية، لا أن تنحرف عن مسعاها إلى التطرف ومعاداة الرجل، ليتحول الأمر عن غير عمد إلى خصومة بين الرجل والمرأة، بدل أن يكون تعاوناً مثمراً. وعلى شكل تساؤلات بدأت وبها تغلق كتابها مفترضةً التالي :

ماذا لو عاشت تلك النسوة قرناً، وقُدِّم لهنّ خمسمائة من الجنيهات؟ ماذا لو امتلكت المرأة عادة الحرية والشجاعة لتقول بالضبط ما في خَلَدها؟ ماذا لو مضت وحدها بلا ذراع تستند إليه في علاقتها مع عالم الحقيقة لا مع عالم الرجال والنساء؟ كانت حتماً ستقبض على الفرصة لتوقظ الشاعرة الميتة والأخت المبدعة المفترضة لشكسبير، ولكانت ارتدت جسداً، وغزَت العالم كما فعل أخوها من قبلُ؛ أدباً و نثراً ونصوصاً مسرحية.

دراسة نقدية مهمة، أقرب أن تكون كتاباً أو رواية. تجعل كل من يقرأها من رواد قرننا الحالي إلى الذهاب في التخيل والتساؤل؛ ماذا لو عاشت فيرجينيا حتى يومنا هذا؟ ماذا لو عاينت بنفسها هذا الكمّ الهائل من النساء الكاتبات؟ هل ستشعر بالصدمة أم أنها ستبتسم وتعود إلى غرفتها وتغلق الباب على الخيال لصورة كانت قد توقعت حدوثها قبل قرابة قرن من الزمن ؟

مجلة قلم رصاص الثقافية 

عن غنوة فضة

غنوة فضة
كاتبة سورية، مواليد مدينة اللاذقية (1987)، تحمل إجازة في التربية وعلم النفس من جامعة تشرين السورية، ودبلوم في البرمجة العصبية اللغوية، صدرت لها رواية "قمر موسى" نظرة على واقع ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *