لا جدال أنّ عبد الرحمن الكواكبي (1849–1902) يعتبر واحداً من أبرز رجالات النهضة العربية، وُلد وشبّ في مدينة حلب، وبعد حصوله على أحسن تعليم وفقاً لمعايير ذلك الزمن، شغل مناصب رفيعة في الإدارة المدنية.
وكان الكواكبي أوّل صحفي محترف في مدينة حلب؛ فقد عمل مع هاشم أفندي العطار على إصدار صحيفة “الشهباء”، ثم تلاها “الاعتدال”، بعد أن عُطّلت الشهباء ثلاث مرات خلال ستة عشر عاماً، بسبب الحرب الروسية العثمانية التي بدأت في منتصف نيسان 1877، وانتهت في نهاية العام 1877.
وفي سنة 1900 هاجر الكواكبي إلى مصر، حيث نشر فيها سلسلة مقالات صدرت في كتاب “طبائع الاستبداد”، ثم نشر في مجلة المصلحين المسلمين المصريين مؤلفه الأوّل “أم القرى”، الذي كان قد كتبه في حلب.
وحول كتاب “طبائع الاستبداد” نستشهد بكلام الغزي المنشور في مجلة الحديث 6/448: “ولم نشعر إلا وصدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت جريدة المؤيّد تنشر له متفرقة كتاب “طبائع الاستبداد” الذي لم يطلعنا عليه مطلقاً”، وهي مقالات مشبعة بالصراحة والحرية والجرأة، وتحوم حول الاستبداد.
ويقول الدكتور سامي الدهان في كتابه “عبد الرحمن الكواكبي”: “لم نستطع أن نحصل على مجموعة جريدة المؤيّد، لذلك العهد، وقد وقعنا على طبعة منها متأخرة عملت فيها يد التحريف والتصحيف، ولا شكّ أنّ الطبعة الأولى قد نفذت، وهي في حكم النادرة، فلا سبيل لنا إلى تحليل الكتاب إلا من هذه الطبعة”.
طبعة المكتبة التجارية لصاحبها مصطفى محمّد، 1350 هـ – 1931 م، في كتاب مستقل أصدره محمّد رشيد رضا في 136 صفحة، وطبع مراراً مصدَّراً باسمه “عبد الرحمن الكواكبي” الملقب بالسيد الفراتي، وعليه رسمه وأشعاراً مكتوبة في مدحه.
وكان الكواكبي قد نقّح فصول كتابه “طبائع الاستبداد”، قبل نقلها من جريدة المؤيّد التي نُشر فيها تباعاً، وكان يمكن أن تموت “المخطوطة” بمماته، كما حصل مع مخطوطتين لكتابين له، لو لم يتمكّن نجله من الاحتفاظ بالنسخة المنقّحة التي أودعها قسم المخطوطات في المكتبة الظاهرية بدمشق.
أوردت هذه الأقوال لأبيّن أن الحديث يجري دائماً عن مخطوطة “طبائع الاستبداد”، وهذه المخطوطة نُشر (بعضها) في المؤيّد، وخلط الناس بينها وبين “أم القرى” الذي تمّ في حياة الكواكبي، وغالباً ما اختلف الباحثون في الطبعة الأولى والعام الذي طُبعت فيه؛ فبعضهم جعلها في مطبعة دار المعارف بمصر، أوّل شارع الفجالة، وآخر جعلها في مكتبة الشرق، وآخر في المطبعة العصرية بحلب، وبعضهم في باب الهدايا والتقاريظ في مجلة المنار. ويمكن أن نختم بالحديث التالي، الذي نشره الدكتور محمّد أسعد الكواكبي في مجلة الحديث، عدد 1952، الصفحات 555–558؛ فقد نشر فصولاً لم تقع في الكتاب الذي نشرته المؤيّد، وذكر أنها من إضافات والده، كانت ستنشر في طبعة منقّحة، ولكن المنية عاجلته (الوالد) دون تحقيق هذه الأمنية، وما تزال هذه الفصول مخطوطة لم تُطبع كلّها.
وقد داهم رجال الخديوي منزل الكواكبي في مصر، وحملوا كتبه، واستطاع ابنه أسعد أن يقذف المخطوط بعيداً، فوقع في مكان مظلم رطب، مما شوّه صفحاته، وخاصة أنه بقي هناك أياماً. وبعد ذلك حمله إلى صاحب المنار ليطبعه له، لكن الشيخ علي رضا اعتذر عن ذلك، بسبب عدم وضوح الكلمات، فأُعيدت كتابته بخطي الجميل، كما يقول أسعد، أو نُقّحته، وهو الذي أودعه قسم المخطوطات في المكتبة الظاهرية بعد ذلك. لقد طبع الكواكبي على يده “أم القرى”، وفي ذلك يقول إنه قد اضطر صاحبه إلى حذف فصل، وإضافة فصل، وتعديل الكتاب قبل طبعه، ومع ذلك لم يجد طابعاً ينشره جملة، حتى جاء رجل سوري الأصل مصري الوطن، فاعتنى بنشره وجعله موقّعاً برمز الرحالة (ك)، اسمه إبراهيم فارس، صاحب مكتبة “الشرق”. انظر مجلة الحديث 1937–652: “أفكار الكواكبي”.
في أعمال عبد الرحمن الكواكبي تتبدّى كلّ التيارات الفكرية التي كانت سائدة في الوطن العربي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهذه المنظومة من الأفكار تتجلّى في النضال من أجل إحياء الإسلام والنزعة القومية العربية؛ فالإسلام تحلّل تحت ثقل البدع المنقولة والغريبة عنه، فتوقّف أن يكون قوّة دافعة للمسلمين، وأخلى الإيمان بإمكانية الإرادة الإنسانية الواسعة مكانه للاستكانة والخضوع، وترتّب على ذلك ظهور الاستبداد الروحي والسياسي والاجتماعي في الوطن العربي.
ويرى الكواكبي أن المخرج من كلّ هذا يكون بإزالة التفرقة بين الناس، والتخلّي عن التقاليد البالية، ومحاربة التعصّب، وبالتسامح الديني، والنضال ضد الاستبداد، ونشر التنوير، وتطبيق قوانين واحدة على الجميع.
وقد وجّه الكواكبي نقداً حادّاً للحكم المتسلّط وللاستبداد في كافة أشكاله، وأكّد أن الاستبداد يتنافى مع الأخلاق والعادات، واعتبر وجود الحكم المتسلّط مصدراً للهلاك.
ويتضمّن “طبائع الاستبداد” عرضاً موجزاً لمبادئ الأيديولوجية التنويرية الفرنسية، ولأفكار الثورة الفرنسية التي لقيت فيه تدعيماً نظرياً فريداً في التربة العربية، على أساس القرآن الكريم والاتجاهات العقلانية للفكر العربي.
عبد الرحمن الكواكبي في مصر:
تألّم الحكّام الذين كانوا يرون في الشعب مطيّة لشهواتهم، وموضعاً للاستغلال والرشوة وجلب المال، لوجود الكواكبي، وغضبوا لصراحته ومساعيه في تبصير الشعب بأمراضه، فحرّضوا الأشرار عليه، واغتصب بعضهم أرضه، واعتدوا عليه، بإيعاز من الوالي وتدبير من أنصاره. فضاقت به حلب، وانقبضت نفسه، وفكّر في وسيلة يتخلّص بها من هذا الجوّ الذي أصبح لا يُطاق.
شيخ الإسلام «جمال الدين الكواكبي» وجّه عليه نيابة قضاء راشيا، ولكنه استقالها وبقي في حلب، ثم أظهر أنه يريد السفر إلى استانبول ليستبدل بنيابة راشيا غيرها. وقبل سفره بيوم واحد زار صديقه كامل الغزّي، وأخبره أنه عازم على السفر إلى استانبول. يقول الغزّي:
«كنت عالماً بكتابه جمعية أم القرى، وقد شعرت منه العزم على طبعه، فوقع في نفسي أنه سيعرّج على مصر لطبعه ونشره، إذ لا يمكنه أن يطبعه في غيرها».
ويحذّره الغزّي من السفر إلى مصر كي لا يُتّهم بأنه من جماعة «جون ترك»، ويُمنع من العودة إلى الوطن، لكن الكواكبي يؤكّد له عزمه السفر إلى استانبول. ويكون الوداع المشفوع بدعاء الغزّي، ويرحل الكواكبي في أوائل سنة 1316 هـ، في الثاني والعشرين من رجب، الموافق 1899 م، وكان في السابعة والأربعين من عمره.
في مصر:
بعد بضعة عشر يوماً، بدأ يظهر صدى مقالاته في صحف مصر، وأخذت جريدة المؤيّد تنشر له تفرقة كتاب «طبائع الاستبداد»، ولم يكن الغزّي قد اطّلع عليه قبل ذلك، بخلاف «أم القرى» فقد اطّلع عليه مراراً.
طبع الكواكبي الكتابين المذكورين، وقام لهما في «المابين» السلطاني ضجّة عظيمة، وصدرت إرادة السلطان بمنع دخولهما إلى الممالك العثمانية، لكنهما رغم ذلك وصلا إلى حلب على صورة خفية. ويقول الغزّي: «قرأناهما في سمرنا المرّة بعد المرّة».
وبعد دخوله إلى مصر بأيام قلائل، التفّ حوله جماعة من أدباء الأتراك، يزعمون أنهم من طائفة «جون ترك»، وما هم في الحقيقة إلا جواسيس يرقبون حركاته وسكناته، ويكتبون بها إلى المابين.
لقي الكواكبي في مصر إخواناً وأصدقاء من السوريين، هربوا قبله، وكانوا يعملون لحرية العرب واستقلالهم، فانضمّ إليهم، وتألفت المودّة بينهم، وقامت الصحبة واللقاء في القاهرة. وكانوا يجتمعون كل مساء في مقهى «سبلندر بار» بالقاهرة. واتصل الكواكبي بعلي يوسف صاحب المؤيّد على يد السيد رشيد رضا صاحب مجلّة المنار، وتمكّنت بينهما روابط الصداقة والودّ. وكانوا يجتمعون كلّ يوم في حلقتهم المعروفة، ومنهم أيضاً محمّد كرد علي، وإبراهيم سليم النجار، وطاهر الجزائري، وعبد القادر المغربي، ورفيق العظم، وعبد الحميد الزهراوي، وبعض الصحفيين ممن اشتهر في البلاغة والبيان والكتابة والفكر، عملوا في مصر فأرسلوا مقالاتهم في الصحافة صرخات مدوّية في سبيل كرامة الفرد وعزّة العرب.
سكن الكواكبي في مصر بشارع الإمام حسين، بالقرب من الأزهر، وراح يقرأ ويحرّر وينشر حتى عُرف في مصر واشتهر أمره، وخاصّة عندما نشر كتابه «أم القرى»، وقد ألّفه حين كان بحلب، وبيّضه له ولده «أسعد». ثم ازدادت شهرته وذاع صيته حين نشر في جريدة «المؤيّد» مقالات عن الاستبداد بغير توقيع، فكان يبدو مفكّراً عظيماً ومصلحاً كبيراً، حتى لقد اشتبه على المثقفين أمره، فظنّوا أنه يأخذ حرفياً من روسّو. وعندما عرفوا الحقيقة صاحوا: إنّ الكواكبي معجزة الكتّاب السياسيين لعصره بمصر.
كان الخديوي عباس الثاني يتوق إلى الخلافة، فأرسل في طلب الكواكبي ليقوم بالدعاية لقاء مرتّب شهري قدره خمسون جنيهاً مصرياً، ليسعى لدى الشيوخ وعربان الإمارات بتوقيع عرائض يبايعون فيها الخديوي عباساً بالخلافة.
سافر الكواكبي في أنحاء الشرق سنة 1901، وقد جاوز التاسعة والأربعين، من أواسط جزيرة العرب على متون الجمال، ثلاثين يوماً ونيفاً، فقطع صحراء الدهناء في اليمن، والتقى بقنصل إيطاليا في الحديدة باليمن، والقنصل الحلبي ويدعى «فرديناند بن ميخائيل الحلبي»، ثم تحوّل إلى الهند، فشرق إفريقيا، وطاف مصر والسودان وزنجبار والحبشة وسواحل أفريقيا الشرقية والغربية وسواحل المحيط الهندي، ووصل إلى مراكش وبمباي على سفينة إيطالية حربية حملته بتوصية من وكيل إيطاليا السياسي في مسقط. فطافت به سواحل العرب، وعاد من هذه الرحلة بمعلومات وافرة عن حالة البلاد الزراعية والمعدنية، حتى إنه استحضر نماذج المعادن من تلك الأصقاع، ودام الأمر ستة أشهر.
عاد الكواكبي إلى القاهرة من هذه الرحلة، فأقام هادئاً من غير عمل يسدّ به نفقته، وكان يأمل برحلة إلى الغرب، لكنها لم تتحقّق، لأنه مات بعد ثلاثة شهور.
لبث الكواكبي في مصر قرابة عامين، عُرف فيهما بسعة العلم وغزارة المادة، والتفّ حوله الأصدقاء والمخلصون، وأكبروا فيه خدمة الوطن والعمل للأمّة العربية.
في مساء الخميس 4 تموز 1902 م / 5 ربيع الأول 1320 هـ، جلس في مقهى يلدز قرب حديقة الأزبكية إلى أصحابه وأصدقائه، وبينهم السيد رشيد رضا، ومحمّد كرد علي، وإبراهيم النجار. وشرب قهوة مرّة، وبعد نصف ساعة أحسّ بألم في أمعائه، فقام للحال، وتصدّر مع ابنه السيد كاظم في عربة حنطور إلى الدار. وظلّ يقيء حتى قارب الليل منتصفه، فأُصيب بنوبة قلبية ضعيفة، ثم عاودته بعد ساعة، فأحسّ ابنه بالخطر، وهبّ يستدعي أقرب طبيب في المنطقة. ولمّا عاد صحبة الطبيب، وجد أباه قد فارق الحياة، بعد أن طوى فيها عمراً قصيراً لهذا المجاهد العظيم والمفكّر الكبير.
سرى الخبر صباح الجمعة في مدينة القاهرة، فأمر الخديوي عباس أن يُدفن الكواكبي على نفقته الخاصّة، وأن يُعجّل بدفنه، فأرسل مندوباً عنه لتشييعه. ودُفن في قرافة باب الوزير في سفح المقطّم، واحتفل له السيد علي يوسف ثلاث ليالٍ، أُحضر فيها القرّاء.
ثم نقلت مصلحة التنظيم المصرية رفاته باحتفال ديني إلى مقبرة خاصّة ببعض مشاهير الرجال، وتقع في شارع العفيفي منطقة باب الوزير. وكُتب اسمه وتاريخ وفاته وتاريخ نقله على صحيفة من المرمر، كما كتب أيضاً حافظ إبراهيم البيتين التاليين:
هنا رجل الدنيا، هنا مهبط التقى
هنا خير مظلوم، هنا خير كاتب
قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب وسلّموا
عليه، فهذا القبر قبر الكواكبي
وشاع في كثير من الأوساط أن الرجل قضى مسموماً. ويقول محمد لطفي جمعة: «إنّ الكواكبي ذهب ضحية ذبحة صدرية». وينقل الغزّي عن ابن أختٍ له كان في مصر أن الكواكبي دُعي إلى الإسكندرية عند الخديوي، وعاد في اليوم الثاني فأحسّ بالوجع.
وقد رثاه الكتّاب والمفكّرون والشعراء، وكتبت فيه المجلات والصحف فصولاً طوالاً رسمت حياته ونضاله.
مجلة قلم رصاص الثقافية رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، "على قلم وساق" من أجل ثقافة هدفها الإنسان.