الرئيسية » رصاص خشن » المعجزة الثامنة
لوحة للفنان نزار علي بدر

المعجزة الثامنة

رامي الخيّر  |  

إنها لمعجزة أن تستطيع الكتابة من مكان لا كهرباء فيه و لا ماء، رشقات رصاص ومن ثم قنبلة ضوئية في السماء وبالرغم من ذلك ستسمع صوت الجارة العالي وهي تنادي لابنها الذي تأخر مع أصدقائه في الحي:

” يا محمد .. عندك مدرسة بكرا “

إنها لمعجزة أن تستطيع كل يوم المرور بسوق الحميدية وتشاهد وجهك المتعب في وجوه جميع المارة في السوق المكتظ, ومن ثم تتابع سيرك وتقول:

” منشرب شاي بالنوفرة “

في كل يوم ستشاهد على التلفاز المنظمات والجمعيات الكثيرة والتي انتشرت في فترة الحرب في مختلف الأراضي السورية واتخذت من المواطن بشكل خاص والإنسان بشكل عام شعاراً لها من أجل كسب المزيد والمزيد من الأموال.. تتابع مشاهدتك مستغرباً بأنك المواطن الفقير الذي أعطى من ماله لتلك الجمعيات وأعطى لها من وجعه خبراً أول في نشاطاتها اليومية…

يرتدي ملابسه التي يرتديها كل يوم ولا غرابة في ذلك، لكن المعجزة تكمن في أنه يستطيع أن يتحمل توجيهات 

“معلمه” رجل الأعمال المعروف والذي كان يوماً بياع عوامة  ولا عيب في ذلك, لكن من حقه أن يسأل من أين لمعلمي هذا ؟؟ وأنا خريج جامعي لا أملك من النقود إلا ما يمكنني من العودة إلى المنزل بواسطة السرفيس.

في الصباح الباكر يركض من مكتب لآخر في القصر العدلي غارقاً في مصنفاته وأوراقه القانونية وبالمواعيد المؤجلة وفي الليل يعمل في أحد البارات ومن أهم زبائن البار  جميع المظلومين في نظر القانون المعاصر..

يحلق ذقنه يومياً دون أن ينقطع عن هذا التقليد يوماً واحداً باستثناء أيام العطل الاسبوعية، ويرتدي أفضل ملابسه ويذهب إلى عمله في مجال التنمية والثقافة، يكتب المقالات والدراسات لجميع المعروفين  والمشهورين في البلد, ويعود إلى منزله بعد أن أمضى كثيراً من الوقت في ازدحام نفس نقطة التفتيش عند مدخل المنطقة التي يقطن بها..

على سرير الملذات تحدث جميع عشاقها يومياً عن المأساة التي أودت بحياة كل عائلتها في الحرب، يدعي أحد المدراء 

بأنه يهتم لما حدث.. وعندما تسأله عن رأيه ينصرف مسرعاً متسائلاً عن الموضوع الذي تطلب فيه رأيه..

ينظر إلى الكعب العالي للسماء وينتابه حلم جميل أن يصبح كل السوريون أبناء الله وحده لا شريك له، يستغرق مرة أخرى في السماء هناك ما يدفعه لسماع أغنية ما لفيروز، انزعج آمر السجن من استغراقه فأمر باغلاق نافذة الزنزانة المطلّة على الحياة..

محامي سوري | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية 

عن قلم رصاص

قلم رصاص

شاهد أيضاً

كتيبة الأربعين والملحمة الفلسطينية

كتيبة الأربعين هو اللقب الذي أطلقه المفكر فهمي هويدي على الكتّاب العرب شعراء وروائيين وصحافيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *