الرئيسية » رصاص ميت » تطورنا كثيراً..

تطورنا كثيراً..

عزيز نيسين  | 

مواطني الأعزاء…..مواطني المحترمين !
إننا نشهد تطوراً ملحوظاً، و قد ينكر البعض هذا التطور، أو يحاول القيام بذلك. لكن هل يمكن إخفاء وجه الشمس وتغطيته بغربال ؟..

بالتأكيد لا، فطالما لا يمكن إخفاء وجه الشمس، إذن علينا أن لا نثق بمن يحاول إقناعنا بأننا لم نتطور، فمثلاً يلزمنا ثلاثة أيام و ثلاث ساعات كي نصل من ( استنبول ) إلى هنا على متن القارب الذي يعمل على المازوت، بينما كنا نقطع المسافة ذاتها بصعوبة على متن القارب الشراعي في ثلاثة أشهر.
مواطني الأعزاء.. مواطني المحترمين ! ….
هل يمكن أن نتجاهل تطورنا هذا أو نغفله؟ المسافة التي كنا نقطعها في ثلاثة أشهر بتنا نقطعها في ثلاثة أيام، وماذا قبل اكتشاف القوارب الشراعية؟.. عند العودة إلى كتب التاريخ نجد أن هذه المسافة كانت تقطع عبر البر بثلاث سنوات، هل يمكن مقارنة ثلاث سنوات مع ثلاثة أيام ؟.
و الآن لنتناول مسألة الطرقات..
مواطني المحترمين، ها هي الأمور أمام أنظاركم، انظروا إلى هذه الطرقات المعبدة، هل كانت كذلك سابقاً ؟. حتى أنها كانت بلا أرصفة.. و لو توغلنا في القدم, لوجدنا أن الأزقة الترابية لم تكن موجودة أيضاً، و قبل ذلك لم يعرف الإنسان الطريق بتاتاً… و يقولون أننا لم نتطور !، كيف يمكن أن نتطور لو لم نشق الطرقات، لولا ذلك لاضطررنا إلى تسلق الجبال و الالتفاف حول الوديان.
انظرو إلى المصابيح الكهربائية، إنها موزعة في كل مكان وموجودة في كل بيت، لكن هل كانت الطاقة الكهربائية مستخدمة قبل مئة عام ؟.. كنا نستخدم مصابيح ( الكاز )، وحتى هذه المصابيح لم تكن معروفة قبل ثلاثمائة سنة، فالإنسان كان ينير عتمة لياليه بالشموع، و ماذا قبل ألف سنة؟

إن الإنسان لم يعرف إمكانية استخدام زيوت الراتنج في الإضاءة… ويقولون أننا لم نتطور ! بالله عليكم قولوا، طالما أننا لم نتطور فماذا تعني هذه الكهرباء، وهذه الطرق، وهذه السفن ؟.. لو لم نكتشف الكهرباء، ولو بقينا في الظلمة، وكل منا ارتطم و شج رأسه هل كان هذا أفضل ؟.. ولو لم نشتر هذه السفن لما استطعنا اختصار كل هذه المسافات.
كيفما نظرتم تجدون آثار التطور و التقدم في البلاد، انظروا إلى السيارات تجدون الـ ( فورد ) والـ ( الشفروليه ) وكذلك الـ ( البويك ) والـ ( الكاديلاك ) وغيرها الكثير، إذن ولله الحمد سيارات من كل الموديلات، حسناً، طالما أنكم تقولون بأننا لم نتطور فكيف تم كل ذلك؟ بالله عليكم حكموا ضمائركم، هل كان لدينا كل هذه السيارات؟ ثقوا تماماً أيها الأخوة المواطنون الأعزاء، أنه قبل خمسة آلاف سنة حتى العربات لم تكن تسير بشكل معقول!!!، والثور هذا الذي نعرفه لم يكن موجوداً قبل مئة ألف سنة.
إذن أين الإنصاف، و كيف وجد كل هذا ؟..
طائراتنا تطير في أجوائنا، وسفننا تمخر عباب البحار، الراديو والهاتف وطناجر الضغط.. أليس كل هذا تطوراً ؟
أيها المواطنون الأعزاء المحترمون جزيل الاحترام، فلنأت الآن إلى ميدان التعليم، لنجد أن الإنجازات هنا مثل الإنجازات والتطور في جميع المجالات. انظروا إلى الصحف والكتب المطبوعة، المطابع التي طبعتها لم تكن موجودة قبل خمسة آلاف سنة، وهل هذا شيء قليل لبلاد مثل بلادنا…. والمدارس !.. لدينا مدارس لا تعد و لا تحصى، كذلك جامعاتنا، و بإذن الله سنحدث منها الكثير.

هل كان لدينا هذا العدد من المدارس، هل كانت الجامعات معروفة قبل ألف سنة  ؟.. آنذاك لو ذكرتم الثلاجات لكنتم موضع سخرية، و هل هناك من يسخر الآن لو ذكرتم الثلاجات و المكانس الكهربائية ؟.. كم هو مخيف هذا التطور.
و الآن لنتذكر تطورنا في مجال الصحة..
مواطني الأعزاء !!..
قبل ثلاثمائة عام لم تكن الأمصال المضادة للكوليرا موجودة, أطفالنا لم نكن نحصنهم ضد هذه الأمراض, أطباؤنا آنذاك لم يكن لديهم لا شغل و لا عمل, بينما هم الآن يعملون كل ما في وسعهم كي يلقحوا الأطفال.
من يعرف منكم فليقل، أرجوكم قولوا دون خجل هل كانت حبوب الأسبرين موجودة قبل أربعمائة سنة. لم العودة والتوغل في التاريخ، حتى قبل مئة عام نحن أنفسنا لم نكن موجودين، هل كنا موجودين آنذاك ؟.. ليقل أحد منكم إذا كان موجوداً قبل مئة عام !، ليقل دون أدنى خجل.. ليرفع يده.. و الله إني أعدكم بأنني لن أحاسبه و لن أقاضيه أمام المحاكم.
نعم، لم يكن أي شيء في هذه البلاد، حتى هذه البلاد لم تكن موجودة آنذاك، قولوا هل كانت موجودة قبل خمسة آلاف عام ؟!.
لأتحدث إليكم بأمور أهم من ذلك، مواطني الأعزاء !! ..
لو بقينا نعيش داخل الكهوف، هل كنا سنلبس الجوارب ؟، و هل كانت نساؤنا سترتدي ملابس البحر ؟، هل كنا سنعرف أكياس النايلون ؟.
ليتحدث المغرضون عما يحلو لهم، المهم أن لا تصدقوهم وأن لا تثقوا بما يقولون، على العكس تماماً، فكما تشاهدون فإننا قد تطورنا كثيراً. 

موقع قلم رصاص الثقافي

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رياض الريس.. سيرة مفتوحة على الآخرين وناشر تجرّأ على المحرّم

غيّب الموت أول من أمس رياض نجيب الريس (1937- 2020)، «آخر الخوارج»، وصاحب البصمة الاستثنائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *