الرئيسية » رصاص خشن » حمالة المفاتيح

حمالة المفاتيح

العباس سلمان  |

مهما كانت النغمة الصادرة عن المنبه الصباحي لطيفة وهادئة إلا أنها ورغم ذلك ستكون مزعجة، حتى أني أصبحت واثقة أن ما يوقظني من نومي كل صباح  ليس المنبه ذاته بل حرصي الشديد على تجنب شعوري بالذنب إذا ما أزعج رنينه  شريكي في السرير، لذا تراني كل صباح أسابق الزمن لأحصل على أسرع توقيت في إسكات المنبه لدرجة أني وبعد أن انتظمت ساعتي البيولوجية، دائماً أرى نفسي مستيقظة قبل أن يرن المنبه الذي أصبحت أصلاً استخدمه خوفاً من غدر إحدى الغفوات الدافئة فقط.

أنزل ساقيًّ من على السرير وأضعهما على الأرض أنهض وأتجه إلى الحمام لا صوت يكسر هدوء لحظات صباحي الأولى فالأصوات أيضاً تنام مثلنا أو معنا إذا كانت لنا، وعندما تصحو هي أيضاً تكون متراخية ومتكاسلة وتحتاج وقتاً لتعود لمستواها المعتاد.

أجلس على كرسي الحمام، أثرثر مع نفسي قليلاً: يقولون لي ابدئي نهارك بسماع أغنيه لفيروز أو مقطوعة موسيقى كلاسيكيه كالفصول الأربعة لفيفالدي مثلاً, يالكثرة ما قالوا لي! وكله لم ينفع معي فأنا دائماً متشائمة ولست أعرف للسعادة طريقاً حتى أني  فقدت قدرتي على إقناع نفسي أني بخير لكن الأيام جعلتني ممثله بارعة فأصبحت أعرف كيف أتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.

أظن ومن شدة مقدرتي التمثيلية ـ وبالتأكيد لولا تقسيم الأقدار والحظوظ ـ لكنت أخذت مكان بنالوبي كروز ونلت الأوسكار بدلاً منها فماذا فعلت هي في أدائها لدورها الذي نالت عنه الجائزة لا أستطيع أنا أن أقوم به؟

أطلقت رصاصتين أو ثلاثة بمسدس من مخلفات الحرب العالمية الثانية على زوجها، هذا عادي جداً فأنا أحياناً يخطر لي أن أفرغ مخزن رصاص في بطن زوجي ذلك عندما يوقظني من نومي ليقضي شهوته معي أو بي ومن ثم ينام دون أن يأبه بحالي وكأني دمية جنس اشتراها من أحد المتاجر الصينية لا أكثر ولا أقل، لكن الحمد الله لا سلاح لدي.

 دعكي من ذلك الآن يا نفسي الأمّارة بالسوء وذكريني ماذا فعلت بعد لتنال الجائزة، آه، صرخت كالمجنونة في وجهه لأنها لم تعد قادرة على تحمل سرقته لفنها أو عدم اعترافه بفضلها.

صحيح أني لا أمتلك مواهب فنية ظاهرة ليسرق نتاجها لكنه سرقني كلي سرق شخصيتي وحياتي  لدرجة لم يعد لي 

الوقت ولا الطاقة لأفكر بما أكره وما أحب سواه، أما من باب الاعتراف بالفضل فيا حسرتي من أين سآتي هذا,،فمثله مثل غالبية رجال هذا المجتمع أو  حتى في مجتمعات أخرى لا أدري لم اختبر كل المجتمعات، لكن الرجال فوراً يسارعون في تبني الإنجاز بنفس السرعة التي يتنكرون فيها للخيبة فمثلاً عندما يصنع طفلنا موقفاً حسناً يسارع هو بالحديث عنه ويقول ابني صنع اليوم كذا وكذا أما إذا انعكست الحالة فتجده فوراً تخلى عن أبوته للطفل وصارت ألفاظ الخطاب لديه تنتهي بالكاف “ابنك” فعل كذا وكذا وكأني دخلت بيته وهذا الطفل على ساعدي ثمره لإحدى نزواتي، هل ترين عزيزتي بينالوبي كم لي من أسباب للصراخ، صدقيني لي منها ما يجعل أدائي للمشهد يصل مرحلة الإبهار.

أخرج من زوبعة الشرود هذه وأتمتم: قلتم لي فيفالدي أليس كذلك ومن ماذا يشكو صوت مثانتي “ششششششششش” كقناة راديو ضاع بثها أي مثل حياتي تماماً  لكن على الأقل هذا الصوت ترافقه جرعه من الراحة.

أنهي دقائق الحمام وأعود لغرفة النوم أرتدي ثيابي الخاصة بالجري، العادة الوحيدة التي صمدت إلى الآن على صخرة الزواج ولم تنكسر.

أنحني لأرتدي حذائي الرياضي أتذكر جملة من “حملة إعلانية” أطلقتها ذات مرة إحدى دور الأحذية الايطالية الراقية كانت تقول “حذاء مريح أفضل من إنسان متعب”، أفكر قليلاً في هذا الشعار فهو لا يروق لي فمنطقي لا يزال يرفض هذا الكلام فلا شيء أفضل من الإنسان تحت أي ظرف كان.

أغلق باب بيتي بهدوء وأنزل سلالم البناء بنفس ذاك الهدوء، أسير من منزلي إلى الاستاد القريب الذي اعتدت أن أركض فيه كل صباح، أدخل من الباب الخلفي للملعب أرى صديقاتي الرياضيات يقمن بالإحماء ألقي عليهن تحية الصباح، يردن بأحسن منها مع ابتسامة، عجيب أمرنا نحن النساء فكم نحن نحب التواصل، نطلق الكثير من المجاملات نوزع الضحكات والابتسامات الودودة  ندخل في أحاديث جماعية فكلنا لدينا تجارب نريد أن نشاركها مع الأخريات هذا بالضبط ما يجعل الرجال يتهموننا بالثرثرة وكثرة الكلام، لكننا فعلاً اجتماعيات فكل واحدة منا في هذا الملعب مثلاً كانت لا تعرف الأخرى، أما الآن فنحن نركض على مضمار الجري كل يوم كأننا فريق واحد حتى إننا اضطررنا أن ننقسم إلى مجموعتين كي لا نغلق المضمار في وجه الآخرين والجميل أننا نبقي باب العضوية في الفريق مفتوحاً لأي أنثى جديدة قادمة.

تبدأ مجموعتي النسائية بالجري ومع كل خطوة لأقدامنا على الأرض يلفتني صوت خشخشة المفاتيح الصادر من جيب كل واحدة فينا تقريباً، أسأل نفسي لماذا أنا دائماً أحمل مفتاحاً للبيت وزجي لا يفعل؟

جواب بسيط يدور في ذهني، ولما يحمل هو مفتاح وثمة من تنتظره في البيت دائماً لتفتح له الباب، أما أنا فليس لي من ينتظرني فتباً لهذا العمر وهذا الزواج الذي حولني إلى حمالة مفاتيح وموظفة استقبال ومربية أطفال وطباخة وفي آخر الليل عاهرة .

اليوم سأضع حداً لكل ما يجري فأنا لم أعد احتمل الحياة معه على هذه الشاكلة سأخبره بكل ما يجول في فكري اليوم سأنفجر غضباً عليه عندما يكون جالساً أمام التلفاز كما ينفجر أحد براكين أيسلندا اليوم اليوم.

لا يا عزيزتي تقول لي نفسي: كل ما تحتاجيه الآن أن تعودي إلى منزلك وتأخذي حماماً ساخناً تزيلين به أفكارك هذه وتخرجيها من دماغك كما يخرج العرق من مسامك فلديك طفل صغير يجب أن يكبر في ظل أبيه هذا ما أجمع على صوابه علماء النفس والاجتماع.

خاص مجلة قلم رصاص الثقافية 

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

مرسوم كفكاوي

لم يكن بمقدور السيد “فرانز كافكا” أن يحدد صاحب اليد التي سحبت جسده الأهيف وأجلسته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *