الرئيسية » رصاص خشن » “خلف” من رواية “بين بابين”

“خلف” من رواية “بين بابين”

بدر أحمد علي  |

…..في خضمّ هذا كلّه،
تذكّرتُ “خلف”، وتذكّرت المرة الأولى التي عانيت فيها من آلام الكلى.
نعم، أتذكّر ذلك الآن تماماً،
وأتذكّر وجه “خلف”، ذلك الفلّاح العشرينيّ الذي جاء إلى الجبهة من ريف الموصل.
أتذكّر ذلك اليوم…
كان ذلك في منتصف أحد أيام صيف عام 1987…
في تلك الفترة، كانت الحرب العراقيّة الإيرانيّة في ذروتها. في تلك الفترة تحديداً انتهت مرحلةٌ داميةٌ من الحرب. سُميت تلك الفترة من الحرب بحرب قصف المدن، وفيها طالت الصواريخ المدن، وتنافس خلالها المتحاربون في إيصال الدمار إلى أبعد نقطة في أرض العدوّ، وإلى أعماق التجمعات السكانية. وبانقضاء تلك الفترة، دخلت الحرب مرحلة جديدة سُميت بحرب قضم المواقع. كانت المعارك في هذه المرحلة شرسةً، تدور لأيامٍ متواصلة، وربما لأسابيع، لانتزاع أمتار، أو بضع كيلومترات من الطرف الآخر.
في ذلك اليوم البائس، كنت في خندق رمليٍّ عالٍ، تنزُّ جدرانه وأرضيته مياهاً غزيرة. كان يوماً غريباً، يختلف عن كلّ الأيام التي مرّت عليَّ في هذا الجحيم الاستثنائيّ. فالغيوم كانت تكسو سماء المنطقة، وتهبط لتتناثر كضباب ثقيل يغطي كل شيء، بشكل لم تشهده المنطقة منذ عقودٍ طويلة. القذائف الإيرانيّة تهوي على المكان بغزارة. القذائف العراقيّة تصفر فوق رؤوسنا صفيراً حادّاً متواصلاً لا يكاد ينقطع. الانفجارات تتعالى هنا وهناك. السماء تمطر ناراً ورمالاً. رائحة البارود والكبريت المحروق تملأ المكان…!

إلى جواري في الخندق جنديان، أحدهما عراقيّ يدعى “خلف”، فلّاح عشرينيّ قدم إلى الجبهة من ريف الموصل، والآخر مصري يدعى “مصطفى رمسيس”، جاء إلى العراق قبل ثلاثة أعوام ليعمل سائق شاحنة في إحدى مؤسسات القطاع العام، وبعد ثمانية أشهر من قدومه وجد نفسه متطوّعاً في الخطوط الأماميّة للجبهة.
أمام تلك الأمطار القاتلة، من الرصاص والقذائف المجنونة، احتضن كلٌّ منّا سلاحه بيد، وثبت خوذته على رأسه باليد الأخرى، وانزوينا في قاع الخندق، ننتظر…
ننتظر ماذا؟!
لا أدري!
فلم يكن لدينا ما نفعله، سوى الانزواء في قيعان الخنادق، وسماع أصوات القذائف وصفيرها، وحين تهدأ الأمور، ويكفُّ المتحاربون عن رشق بعضهم بالقذائف، كنّا نسترق -بالتناوب- لحظاتٍ من النوم القلق. وحين يجافينا النوم، كنّا تحت ستار ذلك الضباب العجائبيّ، ننصت إلى أصوات الجنود الإيرانيين يتحدّثون، وربّما يضحكون، وأحيانا يصرخون، يبكون، وينادون الحسين بألم عميق!!
كانت الخنادق قريبةً بعضها من بعض، إلى درجةٍ لا تصدّق. وكان كلّ طرف يتمّسك بمواقعه باستماتةٍ. في إحدى الليالي الحالكة، قبل أربعة أيامٍ تحديداً، سمعتُ نحيب شابٍ؛ نعم، سمعته بوضوح، كان ينتحب بحرقةٍ، ويتمتم بكلمات لم أفهمها. وسمعت صوتاً آخر يواسيه؛ كان صوتاً وقوراً، هادئاً، ودافئاً. وعلى الرغم من أنّي لم أفهم من الحوار الفارسيّ شيئاً؛ إلّا أنّي استطعت أن أخمّن مضمونه، الذي دار بين روح شابةٍ، حالمةٍ، ترفض الحرب، وتتمسّك بأهداب الحياة، وبين أخرى متحجرة، أرهقها السهاد، وأعطبتها الأماني الكاذبة، تحاول أن تقايض حياة أخرى بهذه الحياة هي في علم الله.

على بُعد ثلاثة أمتارٍ منّي، كان “خلف” يُتمتم بشيءٍ ما، مغمضاً عينيه. على بُعد ثلاثة أمتار أخرى، كان “مصطفى” يفعل الشيء ذاته، ويناجي العذراء، ويقبل صليباً أرثوذكسياً صغيراً يتدلّى من رقبته.
في ذلك اليوم، كان الموت قريباً منّا، إلى درجةٍ لا تصدّق. كان يسير بقربنا، يتخطّى رقابنا المرتعشة. يومها، سمعت حفيف عباءته، شممت عطره الكبريتيّ، ولمحت عينيه في وهج الطلقات، التي تعبر سماء المنطقة، وفي تلك التي تذوي في سواتر الرمل. حينها بدت لي البندقيّة جامدة وغبيّة. وبدا لي كلّ ما يحدث لا يعدو كونه حلماً هرائيّاً، سأصحو منه عاجلاً أم آجلاً؛ لكنّ دفقات الخوف التي تندفع بداخلي، وذلك الطنين الذي يتعالى في رأسي، جميعها تخبرني بغير ذلك!
قطع خوفنا وشرودنا صوت “مصطفى” يصرخ. وقبل أن نلتفت نحوه، كان يعدو نحونا، ثم ألقى بجسده بيننا، مطوقاً رأسه بذراعيه. لثوانٍ لم نستوعب الأمر، ولم نفهم مغزى تصرفه؛ لكنه، بعد ثوانٍ، انتزع نفسه من مياه القاع ومن وحله، وأشار بكلمات عجماء، إلى حيث كان يجلس… وهناك شاهدنا ذيل قذيفة “هاون”، مغروساً في وحل الخندق.
بعد أن استوعبنا الأمر، استجمع “مصطفى” قواه وابتسم، ثم حبا على ركبتيه نحو القذيفة التي لم تنفجر، وانتزعها برفق، ثم رفعها فوق رأسه ليرميها خارج الخندق. لأجزاء من الثانية، أخرج “مصطفى” رأسه من الخندق. وقبل أن تغادر القذيفة راحته، أردته صلية إيرانيّة، اقتلعت خوذته والجزء الأعلى من رأسه، ثم هوى جسده على الوحل والماء.

جرى كلّ ذلك بسرعة. لم تستطع أذهاننا التي اعتصرها الخوف استيعاب أو تصديق ما جرى؛ لكن الدماء، التي ملأت مياه الخندق ووحله، وعيني “مصطفى” الجاحظتين، جميعها أقنعتنا بعد ثوانٍ قليلة بحقيقة ما جرى!
تراجعتُ إلى الخلف، وكذلك فعل “خلف”. حاولنا، تحت وطأة الصدمة، أن نبتعد عن جسد “مصطفى”، ودمائه، ما أمكن. وبعد كلّ خطوةٍ كنت أخطوها، كنت أرسل نظرةً نحو جسد “مصطفى”. كنت أرى الموت يفترسه، يقضم أطرافه، يمتصّ أمعاءه، كما يمتصّ غرٌّ جائع خيوط الاسباجتي.
زحفنا، حبونا، سرنا، ابتلعتنا تلك الخنادق الدوديّة، المملوءة بالمياه والوحل، والدم والجثث، والسلاح… وحين وصلنا إلى خندق تغمره المياه تماماً، وتحوطه غابةٌ من جذوع النخيل المدمّر، توقفنا عن التراجع، وبقينا هناك، تغمرنا المياه حتّى ذقوننا، نستمع إلى أزيز الرصاص الذي يعبرنا، ويضرب ما حولنا، ونشاهد الانفجارات والحرائق البعيدة، ونستقبل الرمال المتطايرة… لم يكن لديَّ ما أقوله لـ”خلف”. ولم يكن “خلف” في حالة تمكّنه من سماع أو قول أي شيء. كنّا نرتجف، نهتزّ، ننتفض، ونموت، على وقع كلّ انفجار، وعلى صوت كلّ صفير يأتي أو يغادر المكان.
في خضمّ ذلك كلّه، وحين شعرت بمذاق الدم يتعالى في فمي، أحسست بنصل حارّ يُغمد في خاصرتي. تحسست مكان الألم! كان الألم مجنوناً ومتوحشاً. تلوى جسدي في الماء والوحل، كجسد تمساحٍ ملدوغ. أمسك “خلف” بذراعي. دسّ يده في خاصرتي؛ تحسس موطن الألم. هممت بالوقوف؛ لكنه منعني. صرخت بكل ما أوتيت من قوّة. مدّ “خلف” يده الموحلة المذعورة وأغلق فمي. كان الألم عنيفاً، يتخطّى أيّ شعورٍ بالخطر، ويتخطّى أيّ هيبة قد يصنعها الموت لنفسه في الظروف العاديّة.

لم أدرك ما أصابني؛ لكن “خلف” عرف، وسألني بتوتر:
-هل تعاني من حصوة في الكلى؟
يومها هززت رأسي نافياً، فعاد يتحسس موضع الألم، وسألني عن موضعه بالتحديد. وحين ثبّت كفّه –بصعوبة– على موطن الألم، ندّتْ مني آهة عميقة، فانتزع كفّه وهو يقول بقلق:
-إنها الكلى دون شك!
وقبل أن ينهي كلماته، انفجرت قذيفة “هاون” خلفنا بأمتار عديدة، فتناثرت الرمال فوقنا بغزارة. تعالت آهاتي. أغلق “خلف” فمي بكفه المرتعشة بقوة، وهو يتمتم -باكياً- بشيء ما؛ نعم، كان يبكي؛ شاهدت الدموع تتجمع في عينيه الرماديتين، ثمّ شقّت طريقاً لها على بشرته الموحلة. دار بعينيه في الأنحاء المعفّرة بالضباب، يترصّد المساعدة؛ ولكن دون جدوى. أفلت فمي وأسندني لجدار الخندق، ثم انتزع خوذتي ورماها جانباً. انتزع مسدسّه من جرابه باضطراب، ثم وضع يده المرتعشة على فمي وأغلقه بعنف. شاهدته يصوب المسدس نحوي، وعيناه تدوران في الأنحاء! ذعرت، تخشّبت أطرافي! ركلت الماء والطين! قاومته! حاولت الفكاك من أسر قبضته؛ لكنها كانت أقوى من كلّ محاولاتي، ومن كلّ صرخاتي. تقلّصت ملامحه. أغمض عينيه. وأغمضت عينيّ. سمعته يقول بصوت باكٍ:
-سامحني رفيق!
ثم هوى بمسدسه على صدغي. على وقع الضربة، اصطدم رأسي بالجدار، ثم اندفعت المياه إلى فمي. لم أكن قد فارقت الوعي، فسمعت صوت “خلف” ينتحب، ثم رأيته ينتشل رأسي من الوحل والماء، ويضمّه إلى صدره. سمعت دقّات قلبه المضطرب، وسمعت صوت بكائه، الذي أطلق له العنان غير آبهٍ للخطر الذي يتربّص بنا. آخر مشهد شاهدته ذلك اليوم كان وجه “خلف” الباكي، ملطخا بالوحل، على خلفيّة السماء الرماديّة.
كانت تلك آخر مرّة رأيت فيها “خلف”، ثم انقطعت أخباره عنّي تماماً، ولم أشاهده في ساحات الحرب، أو حتّى في ثكنات الجيش. حينها، وبعد طول بحث، وصلت إلى يقين بأنّه قد لقي حتفه في الحرب. وبعد أن انتهت الحرب، التهمتني هذه الحياة، والتهمت “خلف” من ذاكرتي.

في أواخر يناير من العام 2003، التقيته صدفة، في غرفة دردشة، تضم قدامى المحاربين في الحرب العراقية الإيرانية. كان يضع على(بروفايله)صورةً قديمة له، وهو يقف فيها أمام جداريه ضخمة رُسم عليها وجه الخميني وهو يرفع إصبعيه بشارة النصر. “خلف” في الصورة كان يرتدي زيه العسكري، وخوذته وجعبته، ويرفع بذراع قوية الكلاشنكوف عاليا، بشموخ واضح.
وقتها لم أشكّ أبداً في أنّه “خلف”، على الرغم من أنّه يحمل في غرفة الدردشة اسماً مستعاراً غريباً، هو (Nano99). حادثته، وكان هو بالفعل. كان ما زال في العراق. بعد مرور عشر دقائق على التقائي به صدفة في غرفة الدردشة، حادثته عبر كاميرا الويب، فوجدته رجلاً وقوراً ضخماً، لم تفت السنون في عضده، ولم تسلبه ابتسامته، ولا مزحاته… تحادثنا كثيراً، ولمرّات عديدة. كانت لقاءاتنا شبه يوميّة. في إحدى المرّات أخبرني بأنّي في ذلك اليوم البعيد من العام 1987، حين كنّا معاً في خندق الحرب، فقدت وعيي، وأنّه حملني فوق ظهره وزحف بي فوق الرمال وبين الخنادق والمتاريس، حتّى أوصلني إلى المستشفى الميداني. وفي اليوم نفسه، تمّ نقله إلى الجبهة الشماليّة، تحديداً إلى السليمانيّة، وبقي في تلك الجبهة إلى أن انتهت الحرب.

وعلى الرغم من ضحكاته ومزحاته التي لا تنتهي، شعرت بخوفٍ رهيب يسيطر عليه، ويبتر كلماته، ويغلق مواضيعه التي يشرع في فتحها معي. كان يأمل في الخروج من العراق على أيّ وجهٍ كان. حاولت أن أتدّبر له الأمر، وكدت أن أنجح في ذلك؛ بل إنّي فعلت واستطعت أن أستخرج له ترخيصاً للعمل في إحدى الشركات الأمنيّة في دولة عربية شقيقة؛ إلّا أن الحرب كانت هي العائق الكبير الذي لم نستطع تجاوزه.
حين اندلعت الحرب الأمريكيّة على العراق، انقطعت أخباره، وانقطعت الاتصالات عن العراق، وظلّت كذلك حتى أواخر أغسطس من العام 2003. وفي صباح يوم جمعة، عادت الاتصالات مع العراق، فأسرعت لطلب منزل “خلف” في الموصل. رنّ الهاتف طويلاً، ثم رفعت السماعة ابنته “نادية”. أخبرتني باكيةً أن والدها استشهد في معركة المطار الشهيرة. حينها، هوت السماعة من يدي، كما يهوي ستار ثقيل في نهاية فصل من مسرحيّة تراجيديّة طويلة.
أدركت يومها أن خطّاف الموت التقط “خلف” هذه المرّة غير آبهٍ لكل الدعوات التي كالتها أم “خلف” لولدها، ولا لأسرته الصغيرة التي تنتظره. صورة “خلف” وكلماته لم تفارق ذهني أبداً لسنوات طويلة قادمة، بل إنّي كنت أشاهده أمامي، مواسياً، حين تعتصرني آلام الكلى!
في مارس من العام 2009، أصيب الرفيق “فيدل كاسترو” بوعكة صحيّة. وفي بداية أبريل من العام نفسه، ذهبت إلى هافانا، بمعيّة وفد أممي، لزيارة الرفيق فيدل في مشفاه. بعد فراغنا من الزيارة، اتجهت إلى الساحل الكوبيّ، حيث يمكن للإنسان مشاهدة أجمل منظر للغروب، وحيث يمكن أيضاً مشاهدة قاعدة جوانتنامو الأمريكيّة ومعتقلها الشهير. لم أعد أتذكّر فيمَ كنت أفكر في تلك اللحظة، وأنا أغوص في الشمس الغاربة. كنت شارداً، ساهماً، لا أسمع، ولا أرى…

فجأة، سمعت صوتاً غريباً، ثم صوت ضحكةٍ طويلة، انتزعتني من شرودي. التفتُّ إلى الخلف، فطالعتني ملامح “خلف”، وقد صبغت الشمس الغاربة ملامحه وجسده بلونها الأحمر الناريّ. اقترب منّي ضاحكاً، ثم معانقاً… دمرني، بعثرني، سلبني كلّ قدرة على التفكير، أو على تصديق ما يحدث! وحين تحررت عيناي من أسر حمرة الشمس، ومن أسر الذهول، وجدته شيخاً عاتياً، يلبس سروالاً قصيراً أبيض اللون، وقميصاً قصيراً باللون ذاته مفتوحة أزراره حتى ما قبل سرته، ويعتمر قبعة كاريبيّة، وبين إصبعيه سيجار كوبيّ ضخم.
قضيت تلك الليلة بمعيته. كان يشرب بنهم، ويأكل المأكولات البحريّة بنهم أكثر. أخبرني أنه يقيم في كوبا منذ أعوام؛ لكنّي لم أكن أبحث عن تلك القصة. حين أشعل سيجارته الثامنة عشرة، سحب منها نفساً ثم أطفأها في منفضة سجائر قذرة تتوسطنا، نظر في عينيّ لحظات، ثم أزاح المنفضة جانباً وقال:
-أعرف ماذا تريد!
لم يكن ظهوره أسطوريّاً كما توقّعت، بل على العكس من ذلك. كان “خلف” في العام 2003 يرابط في المواقع الخلفية. وحين بدأت نذر معركة المطار، شرب ما استطاع، من بُطل عرق كان يخفيه في خيمته، ثم دفن بندقيته في الرمال، وشقّ طريقه خلسة، عبر المزارع والرمال. وفي مزرعة تبعد 28 كيلومتراً عن المطار، تخلص من زيّه العسكري، وارتدى زياًّ بدوياًّ، وتابع مسيرته.

في الظروف العاديّة، يمكن لهذه المسافة أن تكون كافية لجعله يطمئن بأنه أصبح خارج ميدان المعركة؛ لكنّه وقع في خطأ مريع؛ فقد كان منذ لحظات فراره الأولى يسير في الاتجاه الخاطئ؛ فبعد أن انتهى من عبور سياج مزرعة نخيل ذات أشجار هزيلة، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام دوريّة متوقّفة للجيش الأمريكيّ، كان أحد أفرادها يفرغ مثانته على إطار سيارة الهمر. وقبل أن يقول “خلف” شيئا، وقبل أن يرفع يديه عالياً، رفع أحد الجنود بندقيته وأطلق -بذعر- بضع طلقات، جميعها مزّقت جسد “خلف”. أخبرني “خلف” بأنه لم يشعر إطلاقاً بدخول تلك الطلقات إلى جسده، على الرغم من أن إحداها مزّقت كليته اليمنى، وأخرى اخترقت صدره، وثالثة مزقت عضلات كتفه، ولم يعد يتذكّر من كل ذلك سوى صورة الجنديّ الذي يفرغ مثانته واقفاً، ووميض فوّهة البندقية.
وقف “خلف” ورفع قميصه، فشاهدت علامات الخياطة الجراحيّة تشوّه مناطق واسعة من جسده، وغدت آثارها بمرور الزمن تشبه سياجاً عبثيّاًّ من الأسلاك الشائكة.

بعد أربعين يوما من تلك الحادثة، فتح “خلف” عينيه، ليجد نفسه في سرير مستشفى عسكري أمريكي، في قاعدة “الحبانية”. حمد الله كثيراً على بقائه على قيد الحياة. وأوّل شيءٍ طرأ على مخيلته في تلك اللحظة، هو الاتصال بأسرته للاطمئنان عليها. وحين سمح له العريف الأمريكيّ الموكّل بحراسته، بإجراء الاتصال، صارع “خلف” كلّ آلامه وسار خلف العريف نحو كبينةٍ للاتصالات، دلفها وأدار الرقم بأصابع مرتعشة، وانتظر حتى جاء صوت زوجته على الطرف الآخر، التي ما كادت تسمع كلماته الأولى حتى انهارت، فالتقطت السمّاعة ابنته “نادية”، وبعد أن تمالك الطرفان نفسيهما، أخبرته أن فدائيي صدّام، جاؤوا إلى البيت للسؤال عنه، وبعد أربعة أيامٍ من الزيارات المتكرّرة أخبروا العائلة أن ربّها خائن، وأنّه يعمل في الحبانية مرشداً للجيش الأمريكيّ، وعلى إثر ذلك تمّ اعتقال وإعدام خاله الخمسينيّ، وابنه “جبار”. عندما سمع “خلف” كل ذلك، اهتزّت الدنيا والمشاهد في عينيه، وسقطت سمّاعة الهاتف من يده، وصوت ابنته “نادية” ما زال يدوي فيها. أسند ظهره إلى الجدار، وترك جسده يتهاوى ببطءٍ، حتّى استقرّ جالساً على الأرض، وظلّ، بعينين دامعتين، يراقب سمّاعة الهاتف التي تتدلّى نحو الأرض وهي تفور بكلمات “نادية” المحمومة. استجمع قواه ونهض، ثم التقط سمّاعة الهاتف وظلّ ينظر إليها لحظات، ثم أغلقها، وغادر كبينة الاتصال، بأطراف متخشّبة وعينين دامعتين.

مرّت عليه الأيّام التالية ثقيلة وحزينة، وخلالها عرف أن كلّ شيء انتهى في العراق، وأن الجيش بكلّ تشكيلاته قد تمّ حله، وأن صدّام مختفٍ في مكان ما في العراق، وأنّ المقاومة تضرب هنا وهناك، وأن حاكماً أمريكيّاً يحكم العراق، اسمه بول بريمر، وأيقن أن خروجه من هذا المعسكر، وعودته إلى منزله، هو محض انتحار، وأنّه مقتولٌ لا محالة.
في الأشهر التالية، تعرّف إلى مجنّدةٍ أمريكيّة سوداء، أخبرها بمشكلته، ووعدته ببذل أقصى ما تستطيعه في سبيل حصوله على إذن للخروج من العراق، للعلاج واللجوء في الولايات المتحدة. لكن “خلف” -حتّى وإن تظاهر بغير ذلك- لم يكن ليصدّق كلّ تلك الوعود التي قطعتها المجنّدة الأمريكيّة، ولم يكن يصدق أن تلك المجنّدة، التي ستلقى حتفها في “أبو غريب” بعد ذلك بثمانية أشهر، لم يكن يصدق أنها ستساعد جنديّاً عراقياً سابقاً، كان يمكن أن يقتلها أو تقتله لو التقيا في ساحة المعركة!
لكن كلّ تلك الشكوك، التي كانت تملأ رأسه، طارت، في صباح يوم ثلاثاء، عندما وصله خطاب من الجيش الأمريكي يخطره بموافقته على نقله إلى الولايات المتحدة للعلاج.
مرّت ثلاثة أيام على تلقيه إخطار الموافقة، وفي اليوم الرابع أقلّته طائرة نقل عسكريّة أمريكيّة من قاعدة الحبانية، وهبطت به في مطار فرانكفورت، ومن هناك نُقل إلى مشفى عسكريّ في إحدى القواعد الأمريكيّة، وتلقى العلاج.
في ذلك المستشفى، وأثناء جلسات العلاج الطبيعيّ، تعرف على جريحة أمريكيّة بدينة، فقدت ساقيها وذراعيها في الصقلاوية. تطورّت العلاقة بينهما سريعاً، ثم توجت بالزواج.

غادرا المستشفى بعد عامين كاملين، ثم استقرا في الولايات المتحدة والبلدان الكاريبية، مستفيدين من معاش التقاعد، الذي منح للزوجة، ومن الإعانة التي تمنح له من الحكومة الأمريكيّة. وعلى الرغم من أنّه، اختار -مرغماً- حياة جديدة، وعلى الرغم من تبدل الأوضاع ظاهرياً في العراق؛ إلّا أنه لم يجرؤ على العودة إليه، وكان يتعهّد أسرته براتب شهري مجزٍ، ويداوم على الاتصال بهم ثلاث مرّات في الأسبوع.
حين عرفتُ الجزء المفقود من قصة “خلف”، نهضت واقفاً، وأمعائي تفور، جراء شربي كميات كبيرة من شراب جوز الهند. استدرت حول المائدة متّجها نحوه؛ كنت أريد أن أعانقه؛ نعم، كنت أريد أن أكفّر بذلك عن لحظة شكّ خامرتني تجاهه. نهض واقفا بدوره، وعلامات التعجّب تملأ وجهه. ابتسمت بوهنٍ، وشيءٌ غريب يعتمل بداخلي؛ يقيناً لم تكن تلك أعراض إفراطي في شرب عصير جوز الهند. فتحت ذراعيّ، وقبل أن أحتضنه، وقبل أن تصفعني رائحة تبغه ورائحة خمرته، شعرت بنصلٍ رهيب يغمد في خاصرتي. فقدت توازني، وسقطت على الأرض، وسقطت بجواري المائدة والقوارير. التوى جسدي حول نفسه التواءات دوديّة. شاهدت الأقدام تتجمع حولي. سمعت الأصوات تتزاحم. رُفعت إلى أعلى، وحُملت خارجاً. شاهدت السقف، الأضواء، السماء، وسعفات النخيل… ثم انتهى كلّ شيء.

أفقت بعد يومين لأجد نفسي في أحد مشافي هافانا، ممدداً على سريرٍ نظيف، في غرفة خالية من كلّ شيء، عدا مروحة سقفٍ تدور بكسل، وباقة زهر أصفر موضوعة على طاولة بجوار سريري. دلفت إلى الغرفة ممرضة كوبيّة عارمة الصدر. وبعد أن فحصت موضع العمليّة، أخبرتني بأن جراحاً كوبيّاً ماهرا قد انتزع من كليتي اليمني حجراً يوازي في حجمه حجم بيضة دجاجة داعرة. يومها شاهدت “خلف”، وإلى جواره زوجته “لورا”، التي تسير بأطراف اصطناعية، وتضع حول رأسها طوقاً صغيراً من الزهر. كانت هيئتهما في الصباح ملائكيّة، بل بديا لي كزوجين فرّا من الجنة ليحطا على سطح هذه الجزيرة البائسة، بجوار هذا الكرسيّ البائس.
قبل أن أغادر المشفى، ودّعني الطبيب الكوبيّ، الذي لا أتذكّر اسمه، لكنّه كان شديد الشبه بباتريس لوممبا إلى درجة لا تصدّق، ثم أخبرني بأن الحصوة يمكن أن تعود إلى كليتي في أي لحظة، إن لم ألتزم بالحمية المطلوبة. وأكّد لي كذلك أني أحمل رمالاً في كليتي اليسرى، ربّما قد تغدو في يومٍ ما حصوة مزعجة.
انتزعني من هذه الذكرى، ومن أمام تلك الوجوه والأحداث، نصلٌ شيطانيّ هوى من المجهول، من العتمة، واستقر في خاصرتي، ثم راح يسافر في خارطة جسدي، مخلّفاً وراءه كرنفالاً جنونيّاً من التشنّجات والتأوّهات.
لا شيء يمكنه أن يخلصني من هذا الألم الآن! انثناءاتي حول جسدي ردّ فعل للألم، وليست إجراءً وقائيّاً يخفف من حدّة الألم. جلست في زاويتي ولففت جسدي ببقايا بطانيتي. أسندت ظهري للجدار، ودفعت قدمي للزاوية المقابلة؛ علَّ ضغط الجدار على أسفل ظهري يخفف من حدة الألم. لكنّ إيقاع الألم ازداد وحشيّة وجنوناً. في هذه الحالة، وفي غياب أيّ حلّ طبي، لا شيء يمكنه أن يقضي على الألم، سوى ألم أشدّ منه!
أو…!!
أدركت أنه حلٌّ مؤلم؛ لكنّه الحلّ الوحيد للنجاة من هذا العذاب الفظيع.
أنزلت قدمي من على الجدار. جلست القرفصاء. أعدت لفّ جسدي بالبطانيّة. لثوانٍ ظللت أحدّق في الجدار، حيث كان “خلف” يقف بزيّه العسكري وخوذته، يحدّق بي بوجوم. انتفض جسدي. تشنّجت أطرافي. كتمت آهة ألم قوية بداخلي. حبست أنفاسي، ثمّ اقتحمت الجدار برأسي. آخر ما سمعته كان صوت فرقعةٍ قويّة، مصحوباً بضوءٍ ثم انتهى كلّ شيء.

كاتب روائي ـ الجمهورية اليمنية  | موقع قلم رصاص الثقافي

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *