الرئيسية » رصاص خشن » السلطة المجردة من أي فضيلة

السلطة المجردة من أي فضيلة

أحمد كرحوت | 

يعتبر كتاب نيقولا ماكيافيللي “الأمير” مرجعاً أساسياً لفهم أي سياسة واقعية بعيداً عن فلسفة السياسة الأفلاطونية المثالية في المدينة التي تشرع أبوابها للفضيلة المقتصرة على الولادة النبيلة حيث استعان بدلاً عن هذه الفضيلة غير الموجودة واقعياً بما أسماه “القناع الأخلاقيّ” للحاكم الذي من المفترض أن يقدم نفسه للشعب بحسب متطلبات الموقف الراهن، وهكذا قسّم ماكيافيللي الحكم الى ثلاثة أقسام تدور بين الحاكم الضعيف والذي رآه الأمير الإنساني حيث سيكون محتقراً من الشعب بسبب ضعفه ( وهنا جعل من الخصال الإنسانية مصدراً للضعف وبالتالي هو مأخذ لهدم بنيوية الدولة). ثانياً: الأمير الظالم الذي سيولّد الحقد في شعبه بسبب طغيانه. وهنا وجد ماكيافيللي بأن الحاكم الذي يتمتع بهذه الصفات سيهدم الحكم بالفضيلة اولاً والتي أطلق عليها تسمية أخرى تواكب العصر الراهن لطريقة الحكم ( القدرة على انتهاز الفرص )، أما ثانياً فسيكون الحكم مهدداً بالحظ الجيد والذي أعطاه تسمية توائم منطلقه وهي (المرونة الاستراتيجية العقائدية) وهنا يكون قد أعطى الحاكم خليطاً من الصفات الحيوانية التي ابتدعها سيسرو أو ” شيشرون ” السياسي وخطيب روما الشهير الذي وصف طريقة الحكم الصحيح على أنه مزيج بين القوة والعنف عند الأسد وبين المكر والخداع عند الثعلب.

لقوّة تأثير ما كتب سيسرو في وصف الإنسان جعل ماكيافيللي يصنّف الإنسان بشمولية مطلقة على أنه كائن لا يمكن الوثوق فيه أخلاقياً ويجب الحذر منه دائماً فهو عنيف كالذئب، حديثه معسول كالثعلب، لكن فعله سامّ عالحيّة “يقوم ماكيافيللي بوصف العامة أو الشعب بالذئاب بعد أن وصف الحاكم بالأسد الذي يقود الجميع.

يقول ماكيافيللي: “يجب على الإنسان السلطوي أن يكون ثعلباً ليعرف الحياة، وأن يكون أسداً ليفزع الذئاب “فالسلطة بالنسبة له لا تقوم على مراعاة ظروف الشعب إنما خداعهم وليس على محبة الشعب انما على هلعهم منه و فزعهم من أتباعه.

 ينتقل ماكيافيللي بعدها للاقتصاد السياسي دون قطع مع الفلسفة السياسية فيخلط الفلسفة بالاقتصاد كونه يعود لخزينة واحدة بعيداً عن أحوال العامة فيرى بأن الأمير الذي يضيع أموال ومصادر الثروة باستخفاف فهو يهدد السلطة بالزوال وعلى النقيض من ذلك فإن البخل، بمعنى الاستخدام شديد الحرص للأدوات المالية في الدولة هو شرط واجب لقدرة الأمير على احتفاظه بحرية العمل السياسي.

يفسّر ذلك البروفيسور الألماني روبرت تسيمر في بحث خصّ  به كتاب الأمير بسبب إشكالياته الضمنية في سلسلة مقالات عنونها بـ “مرجع في تقدير القوة”، فيقول: إن كرم وسخاء التصرف لا يتوجب على الإنسان في رأي ماكيافيللي إلا في ممتلكات الآخرين، مثلاً في الممتلكات التي يغتنمها الإنسان في الحروب والغزوات، فهذه الغنائم يمكن استخدامها لتوليد مشاعر طيبة لدى الشعب. بمعنى آخر، أي أنه وفي فلسفة ماكيافيللي السياسية على الطبقة الحاكمة سواء كانت مؤلفة من عائلة ملكية أو من منظومة سفسطائية أن تقوم “بتجويع” الشعب، وهنا تجويع تأتي بكافة تشعباتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن طريق رفع السلطة الدينية فقط في نظر العامة في حين يكون رجال الدين خارج منظومة الحكم العسكرية وفي الجهة الأخرى تكون المؤثر الرئيسي على الفكر العام بهدف اخضاعه لأوامر الحاكم دون تفكير وبالتالي التمتع بالعمل السياسي بشكل متكامل طالما أن الشعب يبحث عن لقمة العيش في الدرجة الاولى، وعن رضا رجال الدين في الدرجة الثانية. “..

 ولكي ننتقل إلى مرحلة أحدث لتعميم الشمولية السياسية في كتاب الأمير فقد رأى ماكيافيللي أن الضعف يتحقق لدى الحاكم حين يهدف لأن يكون محبوباً من الشعب وهذا الهدف هو بالضبط ما اشترطه سيسرون في الحاكم للتأثير على العامة، لكن ماكيافيللي يريد أن يكون هناك مسافة بين الحاكم والشعب والتي يمكن المحافظة عليها فقط من خلال التأثير الخاص لقوة الحاكم وفي ذلك لا يذهب ماكيافيللي للتأثير الطبيعي الناتج عن الميلاد كما في طبقة النبلاء وانما يقصد التدبير الذي يمكن أن يظهر من خلال التصرفات الفعالة، ويخدمه هنا أيضاً مثال سيزاري بورجيا السياسي الأيطالي الذي استوحى ماكيافيللي شخصية الأمير في كتابه منه، فعندما تعرض حكمه للخطر بسبب أحد قادة جيشه والذي كان مقرباً منه بعد أن أثار بوحشيته كره الشعب له وللحكم بشكل عام، أمر بورجيا بإعدامه علناً أمام أعين المواطنين وذلك لإحداث أثر مزدوج يأتي في وجهته الأولى تهدئة الكره ويكون في الوجهة الثانية قد ولّد الرهبة والإحترام في نفوس العامة وهذا بالضبط ما خدمه في تأمين حكمه فترة أطول !!

 وهو الأمر ذاته الذي أوصل بلاداً كثيرة بعد ذلك إلى خسارة الحكم لتفضيل الحكام لقادتهم على الشعوب وعدم تطبيق القوانين سوى على الضعفاء أو ما دون طبقة النبلاء التي لم تنقرض بعد إلا في الكتب..

شاعر سوري | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رياض الريس.. سيرة مفتوحة على الآخرين وناشر تجرّأ على المحرّم

غيّب الموت أول من أمس رياض نجيب الريس (1937- 2020)، «آخر الخوارج»، وصاحب البصمة الاستثنائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *