الرئيسية » رصاصة الرحمة » وهم الخصوصية الغبي

وهم الخصوصية الغبي

نجيب نصير  | 

للحياة وقعها القاسر تتناهى فيها الخيارات إلى الصفر مهما امتلكنا من الذكاء والجاذيية، فنحن أولاد اليوم بكامل محمولنا الثقافي مهما رفضنا أو قبلنا، وصراعنا في هذا اليوم الذي نحن أبناؤه، هو على الغد بمعنى البقاء والاستمرار وأيضاً مهما رفضنا أو قبلنا، بمعنى أن الاستسلام لهاتين الحقيقتين ليس اختياراً بل هو طريق إجبارية علينا سلوكها، واليوم بمعناه الزمني والحيوي ليس من صناعتنا نحن لوحدنا وفقط، وليس نتاجاً للتراكم المعرفي الخاص بنا، بل هو تراكم للجهد المعرفي للبشرية جمعاء، ولا ينطبق الأمر على يومنا الحالي مع كل وسائل الاتصال والتواصل، بل ينطبق أيضاً على الحقب الزمنية الماضية كلها في أيامها المتتالية التي وصلت إلى يومنا هذا وسوف تصل إلى المستقبل معنا أو من دوننا، فالبقاء والاستمرار أمرهما مرهون للخضوع والاستسلام للمعرفة البشرية عبر تبييئها بمعنى إخضاعها للمكنات البيئية وهو ما يمايز التجمعات السكانية القديمة والحديثة عن بعضها، بمقدرتها على استخدام المستجدات المعرفية في معالجة تحديات البيئة والطبيعة، وهذا ما يمكن تسميته خصوصية، بحيث تبدو أن لكل بيئة خصوصية ولكنها تنهل في نفس الوقت وباستمرار من الإنجاز المعرفي العام للبشرية كي تحسن أو تغيير شروط وأدوات مواجهتها للطبيعة في صراعها معها، وهذا أيضاً ليس خياراً بل حالة إجبارية، ليس للعناد في قبولها من قيمة إلا القيم السلبية التي تتمخض عن قيم عنصرية لا يمكن لجمها إلا عبر إقرار حامليها بالتراجع عنها ،خصوصا بعد لمس كميات ونوعيات نتائج ممارسة هذه القيم في اليوم الحالي.

من هنا تبدو دعاوى الخصوصية أو الخصوصيات في تجمعاتنا السكانية العربية، عبر ممارستها للعناد، هذا كخصوصية فريدة من نوعها ومعاكسة لوجودها في اليوم، فهي تفترض أن الآخرين لا خصوصية لهم أو ليست لديهم خصوصية مشرفة كما خصوصيتنا على الأقل ناهيك عن حماقة هذه الخصوصيات الأخرى وعدائيتها، حيث ينبني صراع (غزو) على هذه المفارقة المذهلة، القائمة على اكتشاف الخصوصية كموضوع وضعه في الممارسة الإنجاز المعرفي العام للبشرية، حيث تبدو خصوصيتنا مضادة لنفسها، فهي تستخدم مصطلح الخصوصية في تطبيقاتها الثقافية ولكنها تمتنع عن نسبه للإنجاز المعرفي للبشرية ممتعنة عن الاعتراف بالاستفادة من هذا المنجز، لتصبح خصوصيتها معلنة لنفسها بالتضاد مع نفسها، غير آبه لرؤية الآخرين التي يفترض أن تتمايز عنهم، مدعية أن أية بيئة أخرى لا تستطيع إنجاز ما أنجزته هذه الخصوصية من مفاخر وتميز وتفوق، لذلك هي واقعة تحت عسف الاضطهاد المعرفي، لعزتها وتأنفها عن الانضواء تحت لواء الإنجاز المعرفي العام للبشرية على الرغم من أن الخصوصية ذاتها هي من إفرازات هذا الإنجاز شاءت أم أبت.

لقد أثبتت المعرفة أن للآخرين خصوصيات أيضاً، قد تفوق خصوصيتنا من حيث القيمة المعرفية المشاركة في مسيرة الحضارة، كما تفوق خصوصيتنا بمقدرتها على تلقي وتبيئة المنجز المعرفي العام، حيث تبدو خصوصيتنا تكمن في رفض أداء الالتزام المعرفي كاستحقاق إجباري، واللجوء إلى إدانة الالتزام المعرفي عبر رفض تبييئه بتخل مموه عن الانتقال إلى الغد، تخل ناتج عن العناد الآنف  الذي هو تشوه في البنية المعرفية ينتج عنه تشوهات كثيرة وأساسية في البنية الثقافية يعبر عنها الفشل في كل شيء تقريباً واللهاث وراء المنتوج الجاهز (التكنولوجيات) للخصوصيات الأخرى ما يضمن عدم الاعتراف بخصوصياتها عبر الشراء من جهة (أو فشلها بالحصول على خصوصية على مثالنا !)، والهروب من استحقاقات الالتزام المعرفي التي لا تناسب خصوصيتنا الفاضلة من جهة ثانية. فالخصوصية في عالم اليوم هي سجل المشاركة الإيجابية في الإنجاز الفعلي المعرفي العام للبشرية، أخذاً وعطاءً ،وليس فرضاً وافتراضاً.

هنا يستوجب علينا السؤال عن حقيقة خصوصيتنا، فهل هي خصوصية إنجازية تضعنا في عالم اليوم؟ أم أنها خصوصية شفاهية منبرية تنسقف عطاءاتها بالاستبداد والعمليات الإرهابية؟

في عالم اليوم لا تخفى الإنجازات سلبية كانت أم إيجابية، وليست وسائل الإعلام ولا الاتصالات ولا البروبغاندا يمكنها إضاءة وتفخيم وتعميم منتجات الخصوصية لأحد، إن كان مجتمعاً أو تجمعاً سكانياً، فعلى أرض واقع هذه المجتمعات أو التجمعات السكانية تظهر نتائج الخصوصيات الحقيقية والمزيفة السلبية والإيجابية، إنها نتائج الالتزام بالمعرفة  بما هي عليها اليوم وممارستها، ولا يشمل هذا الالتزام محاولات التمويه والتكييف والتزوير والمواربة بدرجها تحت عنوان التبييء، فالخصوصية هي من عليه أن يتغيير خضوعا إجبارياً للمعارف الجديدة كي يحالفها النجاح في عالم اليوم المرتبط عضوياً بالغد وما بعده، فالمعرفة البشرية وعبر علم الإحصاء فرضت أن مصر سوف تواجه مشكلة سكانية كارثية والخصوصية هي من وقف ضد تحديد النسل أو ترشيده، وهذا مثال من ملايين الأمثلة على بهاء خصوصيتنا وعبقريتها الخلاقة.

بين الإصرار والعناد فوارق عميقة، ولا يعني الانتقال بينهما لغوياً أنهما متساويان في المعنى، فالفرق بين المغامرة والمقامرة هو حرف واحد ولكن إنجازهما مختلف من حيث النتيجة ومن حيث الجوهر، والعناد على المحافظة على خصوصية غير منتجة ولا تشارك العالم إنجازه، هو كارثة حقيقية تطال كل فرد من أفراد الجالية العربية في بلاد سكناها، فالإصرار يصنع اليابان وكوريا وألمانيا  وغيرها كأمثلة، والعناد ينتج السودان والصومال وأفغانستان وليبيا وغيرها …. وأيضاً كأمثلة.

كاتب وسيناريست سوري | موقع قلم رصاص الثقافي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com