الرئيسية » رصاص ناعم » وأما عن حليبنا… فهو أحمر !

وأما عن حليبنا… فهو أحمر !

غنوة فضة  |

هناك قاعدة ثابتة قائمة في هذا العالم تقول : “الكتّاب الرجال ينظر إليهم أولا على أنهم كتّاب، أما الكاتبات الإناث فيتمّ النظر إليهنّ كإناث أولاً، ثم كاتبات تالياً..!”.

هكذا تبدأ الكاتبة التركية “إليف شافاق” ملحمتها الأمومية “حليب أسود” في رحلة تمخر فيها عباب الأنوثة بركونها وأعاصيرها، لتمور بالقارئ عبر إرهاصات الجزع من العنوسة إلى صحوة التغلب عليها وتقبل الارتباط والشريك، لتغرق بعد ذلك تائهة كمن يرفع قدمه من حفرة آسنة تعوم بالوحل والشبهات لأخرى أعمق وأشد ادلهاما، فتقع فريسة الصراع الذي يحدث داخل كل امرأة تحرث أرض واقعها بحثا عن النجاح وإثبات الوجود من جهة، واستماتة في الحفاظ على تلك الغريزة الأنثوية في داخلها مع الإبقاء على ذلك الجانب الرقيق البسيط الحالم فيها والذي يظهر بعد نهار أسودّ ضوءه إلى ليل ابيضّت عتمته على صورة أم باسمة وادعة تحضن طفلاً يتلقف ثديها هانئا بعد منتصف الليل، وحيث يستحيل الحليب إلى حبر، تغرق الأم الكاتبة في دوامة اكتئاب ما بعد الولادة، ما دفعها في رحلة الغوص والتقصي حول حال الكاتبات في العديد من المجتمعات المختلفة والمتخلّفة، فتراها تطرح انطلاقاً من غرفة فيرجينيا وولف، تسايرها في طرح فرضية احتمال وجود أخت كاتبة وشاعرة للشهير ” شكسبير “، هل كانت ستلقى هذا الرواج العالمي، وماذا لو كان لأبي الفضل البغدادي أختا تتوسد الشعر صباح مساء؟ هل سيسمح لها أن تلثم الريشة والمحبرة بأصابعها الفيروزية الغضة ؟

وفي عالم ترفع فيه راية الذكر كحاكم للبلد والمدينة والمدرسة والمنزل, ما هي الدوافع التي دفعت بالأديبة الفرنسية “جورج ساند”والتي اعتمدت على ما تقصه على طفليها في أغلب كتاباتها، ما الذي دفعها للنشر والكتابة تحت اسم مستعار لذكر، أليس الخوف من ظهور الأنثى الكاتبة فيها هو العائق الأوحد ؟؟

أليست الصراعات التي تحدث داخل كل 

امرأة تائهة بين وظيفتها كامرأة وبين الشغف الجنوني الذي يسكنها ويدفعها للكتابة، أليست الدافع المسؤول عن انتحار الشاعرة الأمريكية ” سيلفيا بلاث ” ؟

وهكذا تتأرجح “شافاق” المقبلة على الإنجاب بين مدارج الأنا والهو خاصتها، فتخرج تارة من عسكريتها إلى أنوثتها، ومن أمومتها إلى عصبيتها لتضيع في صخب انفصامي سببه المد والجزر بين الذات والمحيط, لتخرج نفسها في نهاية المعركة مضرّجة بحبر الكتابة ومعطرة بحليب طفلتها على شاكلة كاتبة مغوار وامرأة مقدام لا تنتقص مهنتها ككاتبة من أنوثتها قيد أنملة.

ومن أقصى الغرب إلى أقاصي الشرق أتوقف, لأطوف بتصوير مساحات الكتابات النسوية في العالم العربي، فرأيتني أدور في دوامات الظلم والنبذ الذي تناولته الكاتبة المصرية نوال السعداوي، في كل مرة كانت تطأ فيها منطقة محظور دخولها ولو بالقلم على أي امرأة عربية، حيث كانت تكال لها اللكمات والشتائم من كل حدب وصوب بطريقة أودت بها إلى أبشع أشكال التعنيف والسجن وسحب الجنسية.

رأيت نفسي, أتوقف لاستحضر صورة قمر الأدب في سوريا، ونور قلم الأديبة الراحلة “قمر كيلاني” والتي تذكر مقدار ما لاقته من رفض في بداية أعمالها الأدبية “أوراق من دفتر التدريس” حيث كتبت في الإهداء : “إلى مديري أمجد طرابلسي الذي قال لي نحن نريد معلمات ولسنا بحاجة أديبات أقدم كتابي”.

ومن قمر إلى كوليت خوري، التي حملت على أصابع أقلامها الشام بياسمينها إلى الأديبة الشاعرة غادة اليوسف وهي الأم والمناضلة والكاتبة الصداحة بألمها وحنينها وعنفوانها إلى نجاحات أنيسة عبود، المهندسة والأم والروائية التي حملت هم قريتها ووطنها في حقيبة جلدية ترافقها أنى سافرت وحيثما بعدت، إلى معاناة الاغتراب لابنة الناصرة مي زيادة، وشجون غادة السمان إلى قلم أحلام مستغانمي التي جعلت لثورة بلدها ضد المحتل جسداً ودماً ورئتين، و..و كثيرات.

جميع تلك القامات التي أثبتت جدارتها ووجودها على الساحة الأدبية العربية، تدفعني إلى التساؤل عن حال الحركة النسوية في الكتابة وفي المنزل، كيف كانت غالبيتهن منهن تتكفل برعاية بيت وزوج وأسرة بحالها، كيف كنّ يتابعن شق طريقهن الشائك والمدمي في عالم الأدب دونما وجل، حاملات على عاتقهن قضايا أثقل وأعمق ناءت تحت وطأتها قاماتهن الغضة حتى وضعت أسماء بعضهن في قوائم المطلوبات للقتل والطرد.

نساء, يعشن في عالم يصر الطرف الآخر منه على نعت سكانه وساكناته كبشر من الدرجات الثانية والثالثة، ويوغل في حقد التوصيف و ضحالة التصنيف، فإذا ما انطلقت شافاق التركية الواقعة مابين الإرثين الأوربي والعثماني ككاتبة تعتبر نفسها تبدأ المبارزة خاسرة أمام أي ذكر آخر، لتبدأ معه على الحلبة بصفر لها وسبع له (0_7)، فإن المرأة الكاتبة في العالم العربي كانت تخوض حرب الوجود وإثبات الجدارة بمقياس يبدأ بصفر لها وعشرة لأي ذكر كاتب مقابلها (0_10) لتنوء بنفسها تحت وطأة التمزق بين دور الأم والزوجة والابنة والرفيقة أولاً، والكاتبة عاشراً في وقت تضيع فيه الموهبة، وتتسرب الكلمات والأفكار من ثقوب حياتها في سبيل إرضاء وظيفتها المجتمعية تلك.

وعلى الرغم من كل تلك السدود والحوائل، لم تتوقف إحداهن، بل كن جريئات، مخلصات، حملن على جناح أقلامهن ومشين على الحروف حافيات الحمل الأكبر والأشد ثقلاً, حملن همّ الوطن وجرح الوطن الغائر في أجسادهن، الرازح تحت واقع متشرذم يسحق وجودهن كمواطنات خارجات من منطقة تزخر بالعمق الحضاري والتاريخي، وتغرق في دوامة الظلم العالمي، حتى تكاد لتشعر أن بداخل قلم إحداهن حربة تريد أن تنقض بها على جسد كل صهيوني وطئ أرض فلسطين، فينطق القلم مضمخاً بروائح الغار والسنديان على جسد لواء اسكندرون المغتصب، ويسمو بحركة أخرى بنسائم هاربة من قيظ الصحراء الجزائرية والأعضاء المبتورة لأبطال ثورتها وشهدائها وشهيداتها, لترسم ريشاتهنّ لوحات مجّدن بها أرواح من بقيت أصواتهم حية في المدن والبلدات البعيدة التي تكحلت بالحرية المنشودة، حملن صرخات الطفلات المحمولات وسط الأكف والزغاريد الملعونة إلى فراش فقد العذرية البريئة وهن لم يتجاوزن الثانية عشرة من أعمارهن، إلى صرخات الاستغاثة والرفض ضد مجتمع يصر أن يحجبهن بعباءة ورداء تحت مسمى الدين والعرف، ليذهب بعد أن يعم المساء بهن إلى سرر معمدة بالدم والمحرمات.

أمهات ونساء مناضلات، ثائرات، كاتبات وأديبات، لم تحظَ إحداهن باتباع كورسات التحضر لما قبل الولادة والرضاعة, بقين على ما طبعن به من رقة الأنثى وترفعن عن كل ما حمله الموروث من بال ورخيص، دون أي محاولة للانسلاخ عن التاريخ أو التنصل من الحق في الدفاع عن وجودها في عالم يحرمها الحق في التقدم، ويتبجح بتحضر مناهجه, ليجعل من الولادة والبعث تجارة ومدارس واختصاص .

أتساءل بعد حرب الوجود تلك التي أحاطت بهن، لو أردت أن أبدأ كتابة ملحمة الكتابات النسوية العربية، هل سينضح القلم حبراً أسود؟ هل سيسقط بياض حليب الأمهات الكاتبات العربيات على عنوان هذه الملحمة؟

لا أعلم لم أبصرت الأحمر طاغياً على كل حرف قرأته لهن، لا أعلم لم لمحت تورّد الدماء وتضرّجها على وريقاتهن على كل معاناتهن للظهور كأديبات وأمهات في عالم يفصح عن نفسه بحمرة مفترسة لا مهرب منها، وأما عن حليبنا فلا دخل للسواد فيه فقد تلون بعذاباتهن وصبرهن وبات “حليباً أحمر”.

روائية وكاتبة سورية | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *