الرئيسية » رصاص خشن »  أول الحكاية

 أول الحكاية

عبد العزيز دياب  | 

لم تكن الحكاية أن “نافع بن شفيقة” قد شَجَّ رأس كلبة من كلاب الشوارع، أو قَتَلَ كلبة من كلاب الشوارع، إنما الحكاية أبعد من ذلك بكثير.

الحقيقة أننا عندما نقول نافع بن شفيقة لا يكون ذلك انتقاصاً من قدره، فهو نافع بن محمود الطرمباطى الذي ترجع جذوره الي حواري شبرا، لجَدٍ كان يعزف على الترومبيت، وحُوِّرَ الاسم من الترمباتى الى الطرمباطى، والعيب ليس فيَّ أنا الراوي، أو في أي واحد ممن يضيفون اسمه الي اسم أمه “شفيقة يونس هنجراوى”، فهو الذي يحلو له في حديثه أن يقرن اسمه باسم أمه شفيقة:

أنا نافع بن شفيقة فعلت كذا وكذا…

من قال أن شفيقة لم تنجب رجلا…؟

هكذا صار عند الجميع هو نافع بن شفيقة.

ويمكننا القول أيضا أنها كانت مفاجأة، عندما شاهد المارة بمؤخرة شارع “هيمفرست” بحي بولاق الدكرور، كذلك سكان هذا المكان الولد نافع بن شفيقة، يجوب المكان وهو يقبض بيمينه على نبوت يتمتع بصلاحيات كثيرة: عفي، وطازج، ومستقيم، استطاع به الولد نافع أن يضرب كلبة من كلاب الشوارع على أم رأسها، فتسقط قتيلة.

لم يكتف بن شفيقة بهذا، بل أنه أمام المارة وقاطني الشارع حفر لها قبراً يليق بها، وكانت مراسم دفنها حارة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تفوق جنائز كثيرة.  

فوجىء الولد بثمانية أزواج من كلاب الشوارع تلتف حوله في دائرة، فتذكر على الفور الكلب الأجرب، الوحيد الذي حضر مشهد مقتل كلبة من كلاب الشوارع، كان نباحه لحظتها مشروخاً وهو يحك جسده بجدار، بعدها انطلق لا يعبأ بنظرات الاشمئزاز التي طالما لاحقته.

لا أحد يستطيع أن يجزم كيف استطاع كلب أجرب كهذا أن يجمع هذا العدد المثالي من كلاب الشوارع، ثمانية أزواج شكلوا دائرة حول ابن شفيقة وهم ينبحون نباحاً خالصاً جعل الولد سريعاً ينهى مأموريته، ويضع الحجر/الشاهد الذي تكتنفه رموز وإشارات غامضة على تراب القبر، دون أن يَرُشَّه بحفنة ماء.

هذه الجوقة من كلاب الشوارع لن تخيفه، فقد أرهبها نبوت عفي. طازج. مستقيم، يقبض عليه ابن شفيقة بيمينه، مضت تهز ذيولها، فلا أحد يعرف إن كانت مُمْتَنَّة لأن ابن شفيقة أَقْبَرَ رفيقتهم كلبة الشوارع، أم أن ذلك مراوغة منها لتهجم في أقرب فرصة على الولد، لكن كل ما فعلته أن ظلت طوال ذلك اليوم تعزف نوبات منسجمة من النباح، يفصل بين كل نوبة وأخرى لحظات صمت قاتلة.

إذا كان الأمر كذلك وهى مجرد كلبة من كلاب الشوارع، قتلها ابن شفيقة وأقبرها، ما الداعي إذاً لحضور عساكر الشرطة وضابطهم الكبير، ينبشون قبرها في مشهد ذَكَّرهم بنبش قبور دارت شكوك بأن أصحابها لم تكن ميتتهم ميتة طبيعية.

يتذكر الناس حوادث كثيرة، لكن حادثة اليوم هي مقتل كلبة شهد مقتلها المارة وساكنوا مؤخرة شارع هيمفرست ببولاق الدكرور، وشهد على مراسم دفنها أيضا ثمانية أزواج من كلاب الشوارع وهم ينبحون نباحاً خالصاً.

قال شيخ الحي: هي الحكومة تعلم ما خفي، وتفعل ما تشاء.

طاولة وعدة كراسي ومظلة: جلسة مريحة لرجال الحكومة، العساكر ينبشون القبر بكل ما يتمتعون به من كفاءة، أخرجوا من القبر جُثَّة، لكنها  لم تكن جُثَّة لكلبة من كلاب الشوارع، إنما كانت جثة لسيدة غضة. ريانة، كأنها دفنت لتوها، على شفتيها بسمة ميتة، وأثر طلاء ثمين بوجنتيها.

كاتب وقاص مصري  | مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *