الرئيسية » رصاص خشن » صرخة الشاعر عمر الشيخ في سمّ بارد

صرخة الشاعر عمر الشيخ في سمّ بارد

رزان القرواني |

المجموعة الشعرية الأولى الصادرة عن دار التكوين بدمشق للشاعر عمر الشيخ تقع في ( 95) صفحة من القطع الصغير ، وهذه المجموعة ما هي إلا رفض للواقع وصرخة ألم للحياة اليومية ، قدّمها الشاعر من خلال محاولاته الشعرية التي جاءت على الأغلب بشكل لغة تقريرية سردية في بعض المقاطع مشحونة بالسخرية والتهكم.

أراد الشاعر عمر أن يعبر عن ما يجول بداخله من صراع ورفض لهذا الواقع المؤلم من خلال نصه الشعري الذي يوحي بصرخة شاعرية واقعية انفعالية ، فبعض المفردات جاءت لتعبر عن التمرد من خلال الألفاظ ، فسمٌ بارد لوحة ساخنة لمشاعر وأحاسيس تُرجمت إلى صور لاذعة .

لقد صبّ الشاعر انفعالاته وأفكاره بابتكاره صوراً حداثية ، وهذه الصور لم تأتِ لتعبر عن الثبات والسكون وإنما عن الحركة والتفاعل والتحول، وهذه التحولات عبرت عن الصراع الذي هو الأساس فيها ، فالنص يقوم بمجمله على التناقض بين امرين اثنين الأول هو الجمال كـ( العرس، التفاءل- الفرح – الخمر- الحسن- المفاتن) والثاني هو القبح مثل ( الحرب- الظلم – جثة متفحمة- الحزن- كابوس) ومن خلال هذا التناقض والصراع تتولد النهاية التراجيدية .

يقول في قصيدته ( وداعاً أيها الهواء ):

وداعاً أيها الهواء

أراك عند مقبرة ( البوابة) عند انصراف المدارس

لأعرّفك على حياتي الأخرى، الأجمل!

أعرّفك على أصدقائي الجالسين فوق شاهدات قبورهم

كل مساء كأنها شرفات فيلات فاخرة

يشربون حياة شهية كجنات عدن

منتعلين سطوة القدر ونحيب الرضا…

فالنص حالة يتداخل فيها الإحساس بالجمال والإحساس التراجيدي ( المأساة) يقول في قصيدته ( الحنين قتل بطيء):

-3-

النار راكدة في لجة وجوه مجمّدة

إلا أنها تتحرك وتبتسم

هي وجوهنا: في شحوب العودة

لكن لا حياة أو نبض

إنها تنأى بعيداً

حيث لا ذاكرة بعد النهاية…

هذا النص الشعري بعامته يعالج تجربة روحية نفسية اجتماعية مما يظهر فيه تقويمات جمالية متداخلة ومتعددة ومتصارعة يقول في قصيدته ( منذ الحب وهي تثلج داخلي)

منذ الحب وهي تثلج داخلي

تثلج أشلاء من المرح

يا أخي الحبيب

أجمع كل صدمتك

وأخبر الأهل والأصدقاء والجيران

أن شرياني يندفُ الثلج من حميم الأمل

أملاً بيوم جميل..

قبل أن يعرف العالم

بياض هذا الفرح

كنت أراقبه في حمى التفاءل من البارحة

نلحظ أن محور هذه القصيدة محور معنوي في الأساس ولكنه تجسد بعناصر حسية مثل ( المجموعة الشمسية – شوق- ثلج – الخمار- الفرح- يوم جميل – مخدع راقصة- كريات دمنا)

 دلالات هذه العناصر ذات طبيعة معنوية ، نجدها في خطاب الشاعر للثلج عندما قال لأنك لم تخبر كريات دمنا، فلا يمكن بالمعنى الحرفي للتركيب أن يخبر الثلج الكريات الدموية للشاعر ولا يمكن لهذا الشوق أن يترجم أرق العالم ومن الواضح أن الشاعر عبرّ عن الأثر الذي تركته فيه الفكرة بحالتها المرصودة ، وهو أثر متعدد متنوع أدّى إلى تقويمات متعددة متنوعة ، فالفكرة جميلة بقوله ( كريات دمنا)

ثم نلحظها تفاءلت ( أصبنا بدهشة ) ثم تغدو ذات جمال أليف ( حباً للقاء) ثم نلحظها مأساوية (اجمع) وينتهي المقطع بطرح قيمة المعذب من خلال ( برودة حسي ، تثلج أشلاء من المرح ، حمّى التفاءل) فالمقطع هنا طرح ثلاثة تقويمات جمالية .

الفكرة الجميلة والمأساوية والمعذب.

 كما نجد في ( سم بارد) مقاطع نصية متباينة في الأسلوب والحالة والإيحاء فإنها تصدر من منطق تقويمي جمالي موّحد ، فثمة الطبيعة المعنوية للتقويم وتداخل التقويمات والتعامل مع الأشياء من خلال تحريضها الجمالي الانفعالي..

كما نلحظ أن الذات تعاني بحثاً مريراً عن الفكرة، فنراها متطايرة ، متشاجرة مروعة، ثم نراها راغبة في التفاؤل الذي يبعث الأمل وتحقيق الأمنيات الجميلة ، ولكن هذه الذات سرعان ما ينتابها شعور الانكسار والذبول ، يقول في قصيدته ( ليلةُ دُخلة ):

سأتسلّى قليلاً بعبارات التهنئة

كي يضحك عليَّ وجه السنة

وعلى الآخرين

بعد يوم ألمس جبين السّنة

ينطحني لأكمل حفلة التفاؤل

ماسحاً آلامي القديمة

بقبلة على خدّ السنة

راجياً أمنية عتقي من الكآبة

يأتي اليوم الثاني

توقظني شفتا السنة الباردتان

بمصة تبعث موعداً للأمل

أقوم بجنون، كأني ذاهب إلى حبيبتي

أتطاير في شوارع دمشق

أحدد على جوالي وضعاً للرنين

بعبارة:

( دعنا نعيش بفرح )…!

لأن الفرح انتابني بلا شيء

رحت أتمتم في السرفيس

أتمتم على النافذة المترفة :إنها تمطر !

انظروا الفرح يقلع ثيابه

ليغطي زمهرير العاشقين

انظروا إنه يبتسم

لقد أوما علي بالنزول

هرعت أبحث عنه كي أسلمه قلبي

لكني اكتشفت أنه وهم !

بعدما تشاجرت مع عشرات المارة بسبب

سؤالي : هل رأيتم الفرح ؟ لقد مرّ من هنا

ألم يره أحد..؟

أدركت أني لن ألقاه حين وجدت ثيابي مبللة

ودمشق ناشفة بكل شيء

لا زالت سهرانة ، تهمس في صفعات البرد:

اذهب يا صغيري كي تنام

الساعة الآن 4 فجراً

طعّم عمر الشيخ بعض مفردات مجموعته الشعرية بالعامية القريبة من الألفاظ الشعبية التي تأخذ طابعاً عملياً حياتياً ، مثل ( س يدي – سرفيس- جوال- ماكينة فرم )

وربما أكثر الشاعر عمر من الألفاظ الشعبية العامية في مجموعته قاصداً السخرية من تلك الحارات التي كثيراً ما تعاني الفقر والأمراض واللامبالاة في حياتهم اليومية ، جاء في نصه يقول في ( حبال غسيل كئيبة ):

لها أشكال كابلات الكهرباء للسكن العشوائي

كما في حارتنا تماماً

لا يهمها ماذا تحمل السياط الشمس

يقرصها  طوال ساعات وبكل طغيان

ملقط خشب رتيب ..

مكملاً لوحة سطح بيتنا المرقعة بالخردوات

ذاك اليائس الذي ينتظر التابوت

كما يتابع في سخريته ليعبر عن التناقض بشكل آخر بين ما تذوقه تلك البيئة الشعبية من مرارة الأيام والكآبة والحرمان وبين هؤلاء المرفهين أصحاب الأطقم والنظارات الشبح السوداء يقول في قصيدته ( ينهكني البقاء لساعة):

في شوارع السفارات سأمارس جنوني بكل رفاهية

لأني بلا أرصدة بنوك

لست بانتظار تعليماتكم يا أقوياء الأطقم الغامقة

النظارات التي بشكل الشبح

كي أكون أقوى منكم على الأقل يجب ألاّ أرتب

ألفاظي بآلية محترمة على أني مسالم.

ومع كل لفظة نجد رفضاً قاطعاً للواقع ومرارته وهذا الرفض تتطور في ألفاظه حتى بدا ممزقاً يريد أن ينهش ويواجه بكل قسوة وعنف وصولاً إلى صرخات أليمة مشبعة بالمأساة  والحزن والشقاء تُدمر كل ما تراه أمامها يقول:

ثقوا بي سأوذيكم برفق كما مخالب

لا احد يقترب مني

أنا ألبس حزاماً ناسفاً من صرخات ورصاص أحزان

أحمل مئة يد مقطوعة لأطفال فكروا أن يرسموا الحرية

مطمورة دماؤهم تحت رمال من قنابل الغضب في قعر جيبي

أنا مسلح بمخازن فحم في فمي تكفي

لأن تقلعكم بقطار إلى جهنم

وليخرج الشاعر من الملل والوحدة  لم يجد لع طريقاً سوى أن يحلم ، فالحلم وإن لم يكن حقيقة فما هو إلا تنفيس لرغبات مكبوتة تريد التحقيق، ومن هنا جعل الشاعر لحلمه حقلاً كبيراً مليئاً بالأمل والتفاؤل فيه ألذّ ما تستطيبه النفس من كرز وبرتقال وشفاه تهمس ، لعل هذا الهمس بداية لولادة جديدة، يقول في قصيدته ( تمرّد ليزري):

هنالك من تتوجه لتفتح سيارتها

أتخيلها تفتح فمي لتملأه

عصير كيوي كلون سيارتها

وتدشيني كالرضيع من فوق شفتيها

تسطحني على ذراعها النحيلة كجريح الحرب

ثم تطعمني برتقالاً من بستان بلوزتها

وكرزاً من تدفق صدرها، كأني يتيم حب

تهمس لي أعبدك!! تسلم لي…!!

صحفية سورية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

مرسوم كفكاوي

لم يكن بمقدور السيد “فرانز كافكا” أن يحدد صاحب اليد التي سحبت جسده الأهيف وأجلسته …