الرئيسية » رصاص حي » الإبهام والطبقية المعرفية الجمالية

الإبهام والطبقية المعرفية الجمالية

ياسر اسكيف |

منذ أن طُردَ الشعراء من مدينة افلاطون الفاضلة وهم يتجوّلون حول أسوار الفضيلة مُظهرين للفلسفة ِ لسان الهزء. ومن حينها تحاول الفلسفة أن تحتكر لنفسها كل أشكال الحدس والتأمل، وكل الطرق التي تصاغ بها العلاقات بين الأشياء.

وليس بعيداً عن ذلك الموقف الأفلاطوني الأشهر، يتكرّر هذا الطرد في عُرف النبي محمّد (الشعراء يتبعهم الغاوون * ألم ترهم في كلّ واد يهيمون* وإنهم يقولون ما لا يفعلون) وسيتكرّر، كما يبدو، إلى ما لانهاية. والغريب في أمر محمّد هو إعابته على الشعراء غوايتهم فيما كتابه، كما كتب غيره من الرسل، يفيض بالكثير مما لديهم. ونقيض الغواية هنا لا يفهم إلا على أنه البرهان الذي يقود إلى الإقناع. ولكنه البرهان الإلهي بكل تأكيد. الغواية والإقناع من ذات الجذر الذي للرحمن والشيطان، الفضيلة والرذيلة، الدنس والطهارة، إلى آخر الثنائيات الأخلاقية.

إنها ببساطة متناهية نظرة تنزع كل طهرانية عن الشعر، بل عن كلّ أشكال الفنون، ولا يطول الأمر كثيراً حتى تتبدى المسألة كصراع خفي على الإستئثار بالوحي، وبالتالي على صفة النبوءة. وفي الإنتباه إلى الرئي والرؤيا المسجّلة في حياة النبي محمد قبل إشهار نبوءته ما يعزّز هذا الرأي.

وهذه النبوءة، المؤسّسة على الرؤيا، التي تمثّل عُرفاناً، وكشفاً، قد عادت للظهور بجلاء ووضوح في شعر الحداثة الأوربيّة الذي وجد جذره في رؤيويات (بودلير) وشطحات (رامبو)، التي وضعت حدّاً للاعتراف بكليّات المعرفة العقلية، وقصور هذه الكليّات عن الإحاطة بالممكن في الذات والوجود. وصولا إلى السوريالية وما أحدثته من تمرد ضد سلطة المعرفة التي يتفرّد بها الوعي كما تعرّفة العقلانية وتحدّد مستواه. وهنا لم يمنح الشعراء أيّة سلطة لا ذاتيّة على رؤياهم، وبقي وحيهم ملك أنفسهم، على عكس ما يفعله الأنبياء عادة، حينما ينسبون رؤياهم إلى وحي يمثل وسيطا ً بين الله وبينهم.

الأنبياء يطردون الشعراء ويقللون من شأن رؤاهم، والشعراء يتّهمون الفلسفة والعقل بالقصور عن اكتناه الوجود بالأدوات المتوفّرة لكيلهما، ويؤكدون على الحاجة إلى آليات جديدة، تتجاوز مُعطيات العقل، في معرفة الكون ورؤية ما لا يرى من خفاياه. وهذا ما يطرح بشكل جليّ ثنائية الظاهر والباطن، الحقيقي والمُفترض، الملموس والمحدوس به، التي تستدعي معها طبقيّة معرفيّة تستند إلى درجة القدرة على التأويل ونقل المعرفة إلى أصحاب البصائر الكليلة، أو الحسيرة، أي ببساطة (العَوَام).

وربّما كان أدونيس، بمشروعه الشعري، ولا أقول تجربته الشعرية، أوّل من أسّس، بتأثير من الهرمسيّة، والصوفيّة، ورؤيوية (بودلير و رامبو) ومن بعدهم السوريالية، لسلطة الغموض والإبهام في الشعريّة العربيّة الحديثة، دون أن يكون هو ذاته غامضاً. ويمكن القول بأنه كان الأكثر براعة في التمويه على افتراض التجربة وعيشها نصّياً. إذ أن الحياة خارج هذا النص دوما ً، أو أنّ للحياة معنى آخر يتعرّفُ بالأفكار لا بالكائنات، وأن الوجود براهين وغايات وليس عيش. هذا الإفتراض الذي عُلّل وسوّغ بمقولة الرؤيا. والرؤيا التي يقترحها أدونيس، ويعملُ بمقتضاها في نصّه لا تتعدى، في أكثر حالاتها مواربَة وتمويهاً، مقولة التوسط التي شاءها الأنبياء لأنفسهم لتبرير التعالي على شرطهم الإنساني.

هرمس الحكيم. المفوّض من قِبَل الإله لنقل المعرفة إلى الآخرين. نقلٌ مشروط بالمقدرة على تلقي المعرفة واحتمالها. فالبشر لا يتساوون في المقدرة على ذات الكم من المعرفة، وبالتالي الرؤيا، فهذه ميزة يفترضها الدور المنوط بهم في تجسيد منظومة الأفكار التي يقوم عليها الكون-العالم. وكأنما الموجودات جميعاً مُجرّد انعكاس مرئي لأفكار انتظمت لتشكّل مقولة الكون-العالم، ذلك الإنتظام الذي لا يمكن إدراك كنهه إلا بالرؤيا.

هذه الطبقية المعرفية لم تُمارس، بهذا النضج والادراك، في أي مشروع شعري عربي قبل، أو بعد، أدونيس، بحيث يعيش النص فصاماً مُربكاً بين واقعه اللغوي، وحدسه الرؤيوي. فالمفردات، والعلاقات اللغوية، المُفرطة في واقعيتها، وعاديتها، في الكثير من الأحيان، تواجه عسر إستقبال لدى المتلقي، وتغيب عنها كلّ واقعيّة وإلفة، إذ تبدو وحشيّة وغريبة. فالشجرة هنا غير الشجرة، والماء ليس الماء، وكذلك المرأة والريح والنار…، وفي الوقت ذاته ليست حوامل رمزيّة لموجودات أخرى كما درجت العادة في الترميز، تلك العادة التي أثقلت كاهل المفردات، في الشعرية العربية، بحمولات رمزيّة أبعدتها عن ذاتها وعن الدور المنوط بها تحقيقه. إذ صارت الشجرة والأرض والزهرة والغزالة والفرس و.، على سبيل المثال، كلّها المرأة، وغابت المرأة الحقيقية، المحسوسة والملموسة، من النص ومن الحياة، ومعها غابت خاصتا الدلالة والأصل للمفردَة المُستهلكة.

لقد تحدّث أدونيس طويلاً عن تفجير اللغة، وعن طاقة المُفردة، وعن تحرير هذه الطاقة المشروط بالسياق. فالمفردة، كما يُقرأ في المشروع الأدونيسي، هي كائن نصيّ، قبل أن تكون كائن وجودي. وبالتالي فكل مُفردة هي توسط بطريقة ما، ولذلك لا تمنح طاقتها القصوى إلا عندما تأخذ دورها المُناسب في الكينونة النصيّة المتمثلّة بالرؤيا. وهذا ما يعزّز مقولة الأسبقيّة للأفكار على الموجودات. وبالتالي يتحوّل كل نشاط بشري، بما فيه الفني، والشعري على وجه الخصوص، إلى بحث عن تجسّدات للأفكار، ولما يربط بيتها من علاقات، في عالم تفترضه الرؤيا وتتبناه. ذلك أن الرؤيا تجربة خارج حدود المحسوس، وعناصرها، كما أدواتها، شأن شخصيّ تماماً يتعلّق بالرائي دون غيره، إذ ما من مشترك هنا، وكلّ رؤيوي كون بذاته، بل هو صياغة ذاته عن هذا الكون (وفيكَ انطوى العالم الأكبرُ .. – ابن عربي-) وربما كان غياب المشترك هنا واحداً من المفاتيح المُهمّة التي يمكن من خلالها أن نفهم تحوّل المشروع الأدونيسي إلى قضية ثقافية وقصوره عن التحوّل إلى ظاهرة شعرية. وأقصد بالظاهرة هنا الشيوع والانتشار، الذي يتضمن بالضرورة التلقي والتفاعل. فالرؤيا، أي آلية انتاج النص، هي التي أثارت الجدل، وليس النص ذاته، وبالتالي تركّز البحث والجدل على فلسفة الرؤيا، وليس على جماليات وبلاغة النص الذي لم يتعدى كونه تأطيرا ً لهذه الرؤيا بالقول.

وربّما كانت المرأة، بالكيفيّة التي تجلّت بها في المشروع الأدونيسي، مفتاحاً مناسباً لإضاءة المقصود بالتحوّلات والانتقالات التي أشرنا إليها آنفاً، والتي أربكت البعض إذ تعاملوا معها كحالات بلاغية، وليس كاستحالات مفاهيميّة. فالفهم الذي يُظهره أدونيس، كما الشعر الذي يُنتجه، انما يُعيد كلّ موجود إلى فِكرة. فالأنوثة، على سبيل المثال، هي طريق الانسان إلى المُطلق تأسيساً على قول بن عربي (لكي يصل الانسان إلى المطلق، أي إلى الله، لا بد له من أن يمرّ بالأنوثة – انظر لقاء أدونيس مع صحيفة الشرق الأوسط 21 نوفمبر2007) فالأنوثة فكرة فحسب، إذ لا وجود للمطلق في الحي المُجسّد. وبهذا تصبح المرأة لغزاً معرفيّاً، وتيهاً فكريّاً، أي (جزءا من سرّ العالم الذي يظلّ سراً لحسن الحظ – المصدر السابق) وعدم القدرة على الكشف هذه تغدو (من المُحرّضات الاساسيّة من أجل أن يظل الوجود في حركة دائمة، ويظل الانسان توّاقاً إلى اكتشاف العالم… المصدر السابق) الأمر الذي يدفع إلى استحضار تعريف رينيه شار للشعر (هو الكشف عن عالم يظل بحاجة دائماً للكشف) والذي دأب أدونيس على تأكيده والاحتفاء به. فالعلاقة بالمرأة هي الشعر بهذا المعنى، وأمر اكتشافها وفهمها (بالمعنى العميق) يوقف حركة الوجود، وينهي العالم. وبالتالي فعلى من يريد للحياة ألا تنتهي، وللوجود ألا يؤول إلى العدم، أن يبقي المرأة، بل كلّ أسرار الكون، دون اكتشاف. والغريب في هذا الطرح أن أدونيس يُعيد السبب في الحركة الدائمة للوجود إلى الجهل، الذي يدعوه توقاً إلى الكشف والاكتشاف. وواضح أن القصد من هذا هو أن تبقى الفكرة عن الوجود في حركة دائمة، وليس الوجود ذاته. إذ أن حركة الوجود لا ترتبط أبداً بوعينا لها أو عدمه. إلا إذا كان القصد هو أن الوجود لا يعدو كونه فكرتنا عنه، وما من وجود خارج أفكارنا.

(عندما أكتب عن المرأة لا أكتب عن امرأة محدّدة ولكن أكتب عن معنى المرأة، لكن هذا المعنى في الوقت نفسه ينطلق من تجربة حيّة، متجسد مع امرأة محدّدة، لذا أعطي هذه المرأة المُحدّدة هذا البعد الكوني. – المصدر السابق)

هل التجريد، بكل ما لهذا المُصطلح من معنى، إلا نفياً للمحسوس والملموس؟ وهل يظن أدونيس بأن كتابته عن (معنى المرأة) وليس عن(امرأة) هو إعلاء من شأنها؟ وهل يختلف الأمر هنا في جوهره عن التشييء الذي يعيبه أدونيس على الآخرين في طريقة تعاطيهم، وفي نظرتهم إلى المرأة؟ أليست المرأة الإنسانة مقصيّة ومُغيّبة في الحالتين؟ وخاصّة أن الشيء، كما تُظهر أقوال أدونيس، هو فكرتنا عن هذا الشيء!!

كاتب وشاعر سوري | خاص موقع قلم رصاص

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …