الرئيسية » الجسر العتيق » ذاكرة الرصيف والحجر

ذاكرة الرصيف والحجر

فراتي عتيق  |

لا شيء يدفعك للبقاء، ولا أفق يمتد إليه بصرك وحلمك والمدى. في مدينة أدمنت أهلها وأدمنها محبوها، تدفعك رغبتك بالبحث عن بقية باقية من رائحة المكان من أثر اﻷهل واﻷحبة. لم تعد تلك الشوارع كما كانت، وما عاد الرصيف يعرف وقع خطى المحبين، كلهم قدر رحلوا وتركوك أنت والحجارة والسور غرباء.
مدينة كانت تزدحم بأهلها الطيبين وأبناء ريفها المفعمين بالحياة والحب هذه المدينة المنسية على كتف الفرات اﻹيسر تحلم كما أهلها بصباح جميل، غدت على غفلة من تاريخها ووعي أهلها غابة من السواد.
تبدل كل شيء فيها ساكنوها رحل أهلهوها هجروها، و محبوها جفوها.
غدت أزقتها وحواريها محشوة بالغرباء والمهاجرين والنازحين والعابرين للمكان والزمان والمنشقين عن ذاتها والهاربين من أقدارهم إلى أقدارهم، هنا تسمع كل لغات العالم وكل لهجات الدنيا إلا اللهجة (الرقاوية) التي أصبحت غريبة.
ذات أمان من الزمان والمكان كنت تقطع مائة متر من شارع تل أبيض أو المنصور تلتقي فيها بمائة شخص تعرفهم، ويدك تلقي التحية أو تردها، أما اليوم تسير من محطة القطار التي أصبحت ركاماً إلى دوار الساعة حيث تم اغتيال الفرح واقتلاع تمثال الفلاح والفلاحة، ذاك التمثال الذي كان أهل المدينة يطلقون عليه اسم “صبحة وعواد” تيمناً ببرنامج إذاعي كان يبث على أثير إذاعة دمشق في سبعينات القرن الماضي قدمه الفنان والكاتب حسان دهمش ابن مدينة دير الزور، اليوم تقطع هذه المساقة ومثلها ضعفين في شوراع الرقة المتخمة بالناس وبالكاد ترى شخصاً تعرفه. تبحث بين الوجوه عن محب أو صديق، ولكن عبثاً تحاول، وإذا ما وجد أحد من أهل المدينة شخصاً يعرفه يلتقيان كلقاء أحبة فارقوا بعضهم منذ بدء المكان والنهر وهاهم يلتقون.
كل شيء في الرقة يبدو غريباً الوجوه، واللباس واللغة والطرقات والطعام ومذاق رغيف الخبز والملح الذي فسد. حتى الحجارة تبدلت؛ بالرغم من صمتها، تحدثك كل لحظة عن اﻷسى والجرح وضياع التاربخ والذكريات.
تمر بأحياء الرقة القديمة لتدخل من شارع الوادي باتجاه حارة العجيلي والبجري واأكراد والبليبل لتصل ساحة الشماس وتخرج إلى شارع 23 شباط شمالاً، وتسير شرقاً لتنعطف يميناً إلى شارع المنصور الذي كان ذات بسمة يجمع أهل الرقة قبيل العيد، شارع المنصور لم يعد يجمع فرح الأطفال ولا رائحة عطور العشاق والمحبين، بل أصبح سوقاً لتجار اﻷخضر والمال وبيع الذمم والغنى الفاحش.
تصل بناء المتحف الذي كان يعرف باسم السرايا صار دكان لحام (قصاب) وعلى جداره الشمالي تنتصب مولدات (أمبيرات). حجارته تبكي وتنوح قائلة (على باب السرايا كبت فريهم). أسماء كل الحارات والشوراع تزدحم أمامك – الحسون، الشبلي السلامة، الجامع العتبق، بين الجسرين، المشلب، المختلطة، الرميلة، التوسعية، شارع القطار،حارة البدو، حارة البوسرايا، السخاني، الثكنة، دوار الدلة، دوار النعيم(السبع بحرات)، الدرعية، مساكن ساريكو، الشهداء، اﻹدخار، شارع النور (باسل)، مفرق الجزرة وغيرها غدت غريبة عن اهلها وذاتها.
شرق المدينة كغربها وشمالها كجنوبها، بيوت تبدل قاطونها وحجارة فقدت ذاكرتها ورصيف لم يعد يطيق المارة والعابرين نحو الموت المجاني.
لا شيء في الرقة يشبه الرقة سوى الحزن، ولم يعد للفرات طعم غير المرارة، ولم يتبق من أهلها إلا عاجز عن المغادرة لضيق اليد أو ضيق الوقت.
حتى الحجر يبحث عن فرصة للهروب، والسور برفقة النهر يضلان وحيدين في متاهات القابضين على الزناد والتابوت.
الرقة على وشك أن تصبح أثراً بعد عين، دمرتها الزلازل مرتين عبر التاربخ وأبادها هولاكو وهاهي اليوم تباد من جديد.

كاتب سوري ـ الرقة  |  موقع قلم رصاص الثقافي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com