الرئيسية » رصاص ميت » الأديب السوري حنّا مينه.. الرحيل الأخير (وداعاً)

الأديب السوري حنّا مينه.. الرحيل الأخير (وداعاً)

علاء الضيف  |

رحل الأديب السوري الكبير حنّا مينه، ووضع حداً لكل الشائعات التي كانت تنتشر بين فترة وأخرى عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي حول وفاته، ليتبين في كل مرة أن مينه ما زال على قيد الحياة. 

انحاز مينه خلال سنوات حياته الطويلة إلى الفقراء، وكان خير من جسد معاناتهم وعبّر عن قضاياهم من خلال نتاجه الغزير، ولعل نجاحه وتميزه في ذلك يعود إلى كونه أحد أولئك الفقراء،  فالطفل الذي ولد في إحدى قرى لواء أسكندرون الذي اغتصبته تركيا بتواطؤ الاحتلال الفرنسي انتقل مع عائلته إلى مدينة اللاذقية وعاش في حواريها إلى أن اشتد عوده فترك العمل في الحلاقة، والحمالة في الميناء ليركب البحر  بحاراً مخر عباب البحر بقلمه، وترجم مصارعته الأمواج بنتاج أدبي قل نظيره.

يقول مينه: «إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول:في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة،أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟».

رغم النتاج الذي تركه الأديب الراحل إلا أنه لم يكن يرى في الكتابة امتيازاً، ولعل قارئ أعمال الأديب الراحل يجد أنها ترجمة واقعية لمعاناة عاشها وعايش أصحابها ممن عرفهم خلال سني حياته الطويلة، فيقول الكاتب: «مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني، وبسخاء، يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاراً، مع نجيب محفوظ بعد نوبل ، ومع نزار قباني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين. يطالبونني، في الوقت الحاضر، بمحاولاتي الأدبية الأولى، التي تنفع الباحثين والنقاد والدارسين، لكنها، بالنسبة إلي، ورقة خريف اسقطت مصابيح زرق».

وفي آخر إصدارت الأديب الراحل وهي رواية «عاهرة ونصف مجنون» بدا وكأنه يكتب بسكين حادة وليس بالقلم، فكانت الرواية رغم قصرها، كحجر رماه الراحل في المياه الراكدة، وبدا فيه ساخطاً على الواقع، فقال فيها«إننا في الزمن الرديء، والبشر أردياء لسبب بسيط، كونهم نتاج تاريخهم الاجتماعي، ومن النافل، المكروه، أن نعظهم، فقد بشموا من الوعظ، وما ننفك ننهال عليبهم بالمواعظ، وسئموا من دعوتهم إلى التحلي بالصبر، حتى صاروا يلعنون أيوب، الصابر الأكبر».

كتب الأديب الراحل وصيته في آب من عام 2008، وغادر الحياة الدنيا في آب عام 2018.

نص وصية حنا مينه (17 آب 2008):

أنا حنا بن سليم حنا مينه، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924، أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني أنه «لكل أجل كتاب».
لقد كنت سعيداً جداً في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.

عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علي عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية. كل ما فعلته في حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته، ولما أزل.لا عتبٌ ولا عتابٌ، ولست ذاكرهما، هنا، إلا للضرورة، فقد اعتمدت عمري كله، لا على الحظ، بل على الساعد، فيدي وحدها، وبمفردها، صفّقت، وإني لأشكر هذه اليد، على الحظ، بل على الساعد، فيدي وحدها، وبمفردها، صفّقت، وإني لأشكر هذه اليد، ففي الشكر تدوم النِعم.
أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة. لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها.
كلُّ ما أملك، في دمشق واللاذقية، يتصرف به من يدّعون أنهم أهلي، ولهم الحرية في توزيع بعضه، على الفقراء، الأحباء الذين كنت منهم، وكانوا مني، وكنا على نسب هو الأغلى، الأثمن، الأكرم عندي. زوجتي العزيزة مريم دميان سمعان، وصيتي عند من يصلّون لراحة نفسي، لها الحق، لو كانت لديها إمكانية دعي هذا الحق، أن تتصرف بكلّ إرثي، أما بيتي في اللاذقية، وكل ما فيه، فهو لها ومطوّب باسمها، فلا يباع إلا بعد عودتها إلى العدم الذي خرجت هي، وخرجت أنا، منه، ثم عدنا إليه.

خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com