الرئيسية » رصاصة الرحمة » “أبطال الأوليمبيك”

“أبطال الأوليمبيك”

إنها أشرف المعارك، وأكثرها تحضراً، تلك الألعاب التنافسية التي يقوم “الغرب” بإقامتها كل أربع سنوات، حيث يتحدد صراع “الهويات” بالإنتاج والإنجاز، الذي يحتاج إلى أكثر من القوة الفيزيائية الغرائزية للنجاح بإعلان الهوية والإبهار بها.

كثيرون يعتقدون أن الأوليمبياد ما هو إلا تكريس للغزو الثقافي الغربي، في إعادة وتكرار شعائر جبل الأوليمب الوثنية القديمة، إلا أن كثيرون آخرون، يعتقدون بمقياس الأقدمية هذا، أن هذه الألعاب بدأت قبل الإغريق بزمن طويل ربما في سوريا الطبيعية، ومصر، وفي أماكن مختلفة أيضاً كالصين واليابان والهند، إذ لا يعقل أن تقوم الحضارات دون صمامات أمان تحوّل العداء إلى تنافس، كما لا يعقل أيضاً أن يظل الغزو وحده، هو شهادة البطولة والفروسية والجرأة، ولا شك أن الألعاب التنافسية تعرضت للتطور والتحضر على مر السنين، حيث لم تبق أوليمبية بالمعنى الحرفي، إذ داخلتها ألعاب تقليدية قادمة من العديد من البلدان والأمم، كما داخلتها ألعاب شعبية وضعتها حديثاً شعوب وأمم اشتركت في متعة التنافس باستخدام منجزات العصر، لتصبح هذه الألعاب ليست فقط ميداناً لتنافس القوة “وتكسير الرأس”، بل استعراضاً لمخزون من الفكر والفن والذكاء الحضاري الذي تراكمه الشعوب عبر تجربتها الثقافية.

ربما لا تحتاج الألعاب الأوليمبية لمقال حولها، فمشاهدتها ومتابعتها تكفي  لبث القيمة في معنى الفرجة، ولكنه كتب علينا أن نعلق حتى على أكثر الأفعال بداهة نتيجة لانحشارنا في عنق زجاجة التحضر وكأننا لا نعرف للخلاص منها سبيلاً. فالجدران التي وفرتها الحداثة التواصلية، امتلأت عن آخرها (كما جدران المراحيض العمومية) بمقالات وعبارات التثريب والتأثيم والإستتابة عن هذا الفعل الفاحش الذي يسمى المشاركة بالألعاب الأولمبية، ذلك الاختراع “الغربي” الذي سوف يأتي على ما تبقى من ثقافتنا الفخمة، إذا ما تركنا لتجمعاتنا البشرية حرية المشاركة بها، ما يجعلنا أولاً وقبل كل شيء، في صراع مع السلطة التي تبيح الاشتراك في هكذا مسابقات رغماً عن أنف المجتمع، وعلى حساب دافعي الضرائب (لنتذكر معاً مشكلة رواية وليمة لأعشاب البحر) ، وهنا لا أدري لما تصر السلطات العربية وتستمر في إرسال بعثات المشاركة (وهي مشاركات خجولة على أية حال) في هذه الألعاب على الرغم من أنف شعوبها!!!؟ ألا يخدش هذا حياء الديمقراطية الشعبية منها أو التعبيرية؟ إذ لا بد لهذا الكم الهائل (غير السياسي مبدئياً) أن يكون له تمثيلاً سياسياً على الأقل؟ كانتخاب لوبيات إلى المجالس “التمثيلية” تشكل واحة للتعبير عن الرأي “الآخر” الذي قد يكون ضد الأولمبياد كتقليد أعمى “للغرب”؟! أو قد يكون ضد ملابس الأولمبياد وحدها؟ أو قد يكون ضد ألعاب بعينها؟ أو ضد مشاركة أحد الجنسين في إحداها؟ وهذا ما يؤدي حتماً إلى تجاهل الأكثرية “الساحقة” وظلمها حتى وإن لم تكن هذه الأكثرية سياسية، فعديدها يكفي لإقرار الحق، وليس الصواب هنا مطروحاً للمناقشة فهو شأن آخر ربما يناقش بعد استتباب الأمر للأكثرية “الساحقة”.

إن حجم التداولات في بورصة الرأي (وجهة النظر مبدأياً)  على صفحات التواصل البشري الافتراضي ، يفضح ذلك القصور عن إدراك ماهية تشابك إنجازات المعرفة البشرية وإطلاقها في هكذا نوع من التنافسات، كما يفضح ذلك الإيمان العميق بهشاشة الثقافة التي لا تستطيع منافسة الآخر بمهاراته فتلجأ إلى ذرائع ثقافة الغزو كي “تقتل” الموضوع من أساسه باعتبار أن ما بُني على باطل هو باطل حتماً.

من ينظر إلى هذه الألعاب متابعاً أو مشاهداً أو متفرجاً، يلمس تماماً، مدى تشبع المشاركين المتنافسين بالفن والمعرفة كي يستطيعوا تقبل ما يمارسون كحادث إبداعي، فالطفل المشبع بالموسيقا والرقص والرسم والنحت إلخ.. والدراما والفلسفة والمنطق وإلخ.. أيضاً، هو شخص مؤهل ليس للمشاركة فقط بل للفوز في المنافسة كحادث إبداعي وليس كحدث فيزيائي قد تقود صدفة طارئة للنجاح في إعلان هوية يرفض أصحابها الإعتراف بالألعاب الأوليمبية كحدث “على صواب” في استبدال ثقافة العداء (الغزو) بثقافة التنافس الإبداعي.

على جدران التواصل البشري الالكترونية، يبقى السؤال خبيئاً، سؤال غائب عن ثقافة التجمعات البشرية للناطقين باللغات العربية المتنوعة، هو كيف نشرف الحياة البشرية؟ ليتفرع منه سؤال إجباري آخر هو: هل وجدت القيم والأفكار والمعتقدات لتشريف الحياة؟ أم وجدت الحياة لتشريفها؟؟؟ سؤال علينا حسمه شعبياً و “أكثروياً” قبل البدء بتناول الفعاليات البشرية، أو حتى بالفرجة عليها. فما رأيته على هذه الجدران تعليقاً على المشاركة في الألعاب الأولمبية، يعبر عن ثقافة ضد الثقافة، ثقافة نطق بها هؤلاء المستفيدين من المنجز الحداثي ورافضيه (في نفس الوقت)عبر كتاباتهم  كما المعلقات أنتجتها لهم تلك الحداثة “الآثمة “، معبرين عن الخجل من ثقافتهم بواسطة نوع من الفخر الاعتدائي (مكشوف نفسياً على أية حال)، عبر تثريب الألبسة الرياضية، متناسين ومتناقضين مع طروحاتهم حول الأردية بأنه لكل مقام رداء.

أخيراً أرى من واجبي أن أوجه إلى الفريق المصري سيدات في منافسات باليه الماء الأوليمبية، التحية والتقدير والاحترام، فبهكذا نوع من المحاولات الإنسانية وبهكذا نوع من المشاركات يمكن للشعوب أن تقدم للبشرية إضافة تساعدها على إعلان هويتها.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

رياض الريس.. سيرة مفتوحة على الآخرين وناشر تجرّأ على المحرّم

غيّب الموت أول من أمس رياض نجيب الريس (1937- 2020)، «آخر الخوارج»، وصاحب البصمة الاستثنائية …