الرئيسية » رصاص حي » الفيلسوف العاشق كيرككورد الذي خلّد حبيبته!

الفيلسوف العاشق كيرككورد الذي خلّد حبيبته!

طلب كيرككورد عام 1841 بصورة مفاجأة الانفصال عن ريجينا أولسن وإنهاء الخطوبة التي دامت لأكثر من عام، رغم أنه اختار الانفصال بمحض إرادته عن خطيبته، والتي تزوجت فيما بعد فردريك شليغل عام 1847 ، لكنها بقيت مع ذلك تحن إليه. وعندما حصل زوجها شليغل على وظيفة حاكم محلي في إحدى المستعمرات الدانماركية في جزر الهند الغربية عام 1855 وقررا السفر يوم 17 آذار من نفس العام إلى هناك، قررت ريجينا بنفس يوم السفر أن تذهب في جولة صغيرة وتلقي التحية وربما لآخر مرة، على كيرككورد.

تصف ريجينا ذلك “أريد أن اأخّص كل ما فكرت به خلال 14 عاماً عنه. تسعة كلمات وليس أكثر. أريد أن أقول، بأنني لست غاضبة ولا زلت أودّه، وعليه أن يعرف أيضا بأنني قلقة عليه، لكنني أريد اولاً وأخيراً أن أقطع الصمت ( …) ساقترب منه جداً وأقول له بصوت واطىء: الله يباركك! آمل أن كل شيء سيمضي بخير معك! نظر إليّ بفزع، تنحى بأدبٍ، ثم توقف متردداً ( …) تراجع خطوة ورفع قبعته قليلاً، لكنه لم يقل شيئاً ( …) من ثم استدار بعجلة… لدي شعور بأنه يهرب”. في نفس العام يموت كيرككورد في المستشفى بعد أن يسقط مغمياً عليه في أحد شوارع كوبنهاكن.

بقي كيرككورد مع ذلك مخلصاً حتى آخر لحظة في حياته لريجينا وأحبها حباً شديداً، وقد عبر عن ذلك في واحدة من ملاحظاته الأخيرة التي عثر عليها بعد موته في أوراقه الخاصة..حيث كتب:

“إن شليغل هو الذي حصلت عليه في هذه الدنيا، أما هو فأنه حبيبها الأبدي، وإنه هو الذي سيضمن لها الخلود، وإذا لم تفهم هذا الأمر فهو أمر طبيعي.” أو كما يكتب مخاطباً إيّاها “بالنسبة إليك سيبقى ثمت شيء غير مفهوم باستمرار في كل هذه القضية. إقبلي الأمر، ولا تفكري فيه. لأنك مع ذلك لن تسبري غوره. اعتقد أن الفتاة لا يمكن أن تطلب أكثر من حياة زوجية سعيدة، وأن تبذر معنى كبيراً لآخر “.

ورغم أن سلوكه بقي غامضاً للعديد ومنهم ريجينا، إلا أنها توصلت أخيراً إلى أن “حاجته إلى الكتابة كانت أقوى من الحب، وربما يمكن القول بطريقة أخرى، إن تنازله عن الحب ولّد لديه هذه الحاجة – وتحول إلى ضرورة بالنسبة إليه لكي يكتب؟

وهكذا تحولت كل علاقة كيرككورد بريجينا إلى ضرورة لمعاينة عملية للوجود كله، وعلاقة الإنسان بالآخر، وفهم أهمية الحب. وقد تمكن كيرككورد بفعل عبقريته الاستثنائية أن يسبر أعماق النفس البشرية ويصوغ انطلاقاً من ذلك العديد من المفاهيم التي استخدمت وما تزال تستخدم في شتى العلوم.

لم يكن كيرككورد على خطأ عندما كتب أنه حبيبها الأبدي، فقد كتب لاحقاً في أوراقه الخاصة قبل وفاته “كانت هي الحبيبة. ينبغي أن يبرز وجودي بلا شرط حياتها. ويمكن اعتبار عملي الفكري أيضاً كأثر تذكاري لتمجيدها وتقديرها. سآخذها معي إلى التاريخ”.

وهو الأمر الذي حصل فعلاً. فما أن يذكر اسم كيرككورد وأفكاره ومصدر هذه الأفكار والتأويلات التي تتوافق مع المفاهيم المنثورة في طيات نصوصه حتى يرد أسم ريجينا أولسن، ليس باعتبارها حبيبته وملهمته فقط، بل وأيضاً كوجود عملي يؤكد على فيض الأفكار والأحاسيس المتراكمة التي نتجت عن هذا الحب الوجودي.

لم يكتف كيرككورد بالتعبير عن إخلاصه الدائم لريجينا بل كرس كل ما يملكه من أشياء ونصوص بعد موته كهدية إلى ريجينا.

  خاص موقع قلم رصاص الثقافي

عن قحطان جاسم

قحطان جاسم
شاعر ومترجم عراقي وباحث في علم الاجتماع السياسي، نشرفي الصحف العربية والعراقية والدانماركية ومنذ عام 1977 العديد من القصائد والمقالات والدراسات في شتى المواضيع السياسية والاجتماعية والادبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *