آخر المقالات
الرئيسية » رصاص ناعم » الشاعرة أبرار سعيد في ديوانها «ليس ليدي أن تتكلم» – نص لما بعد الكتابة ..!

الشاعرة أبرار سعيد في ديوانها «ليس ليدي أن تتكلم» – نص لما بعد الكتابة ..!

صدر للشاعرة السعودية أبرار سعيد (الصورة) ديوانها الأول “ليس ليدي أن تتكلم”، الصادر عن مسعى للنشر والتوزيع عام 2017. وقد حاز الديوان على المركز الثاني في جائزة بيت الشعر للكتاب الأول “وهي جائزة مخصصة للشعراء الشباب، “كنافذة يفتحها لهم بيت الشعر في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بالدمام ليقدموا افضل تجاربهم الشعرية” ، كما جاء في مقدمة الكتاب. 

كنت أتابع قصائد الشاعرة أبرار سعيد منذ أن شرعت بنشر قصائدها على حذر ودون الاستعجال الذي يتصف به عادةً بعض ممن يخوض مغامرة تجربة الكتابة الشعرية، ربما في مسعى كي يحتل مكانه في عالم الادب. وهذا الحذر قادني، ومنذ قراءاتي الأولى، أن اكتشف في قصائدها خصوصية وحساسية شعرية متميزة. ففي شعرها نسمع صوتاً قوياً يسرد علينا، دون تردد،  آلامها وأفراحها وهمومها الخاصة بها كأمرأة وانسانة وشاعرة.

تفتتح الشاعرة ديوانها بقصيدة قصيرة “حطام” ص.13، التي تشبه إعلاناً مسبقاً يهدف إلى تنبيهنا، ومنذ البداية،  حول  طبيعة ما تكتبه، والطريقة التي تتشّكل بها موضوعاتها:

“القصائد صحون أكسرها بيدي

لا احتفظ بهذا الحطام،

ولا

تبقى مجرد قصائد” ص.13.

يمكن أن نكتشف هنا فعلاً قصدياً وراء الكتابة، وحتى إلى ما بعد الكتابة. فالنص يشير إلى فعل واعٍ، تكمن خلفه إرادة الشاعرة وتحضرُ فيه ذاتيتها. ففعل إنتاج القصيدة هو ليس نتيجة لتجميع لحطام أو فتات، كما أنه يتعدى ذلك النشاط والهم الشعوري في سياق الكتابة إلى هم توليد مابعد انتاج النص، حيث لا تبقى القصائد مجرد قصائد”، بل هناك ما هو أبعد من ذلك، الانفتاح على ممكنات واحتمالات أخرى، لا تبوح بها الشاعرة، بل تكتفي بهذا الإعلان المكثف،  الذي يسكت على عوالم قادمة، كأنها تغري 

القارىء كي لا يتوقف عند حدود النص، بل عليه أن يغور عميقاً في غابة الكلمات وعالمها الخفي، واشعاعاتها التي تعبر حدودها.

هذا  المفتتح الشعري الذي يساوره بعض الابهام والمواربة، يطرح علينا أن نكون حذرين، يشغلنا فضول أكبر، ونحن نمضي في مجاهل ديوانها،  لطرح اسئلة نتوخى فيها الاقتراب، قدر الإمكان، من خزين المعنى الكامن فيه. إذ ما الذي تريده الشاعرة، وماذا تقصد بأن القصيدة لن تبقى مجرد قصيدة، وماذا تعني القصيدة إليها إذن؟

وإذا كانت الأجوبة لا تتوفر كاملة بعد الانتهاء من قراءة الديوان، إلا أن القارىء يخرج بنتيجة أن قصائدها غنية بالصور الشعرية ذات الدلالات الفكرية التي تنزاح على معان وجودية وحياتية وإنسانية..

كما تمتاز عباراتها الشعرية بوضوح لغوي وبساطة التركيب وعمق المعنى، وهي تنفتح على تأويلات شتى تتيح للقاريء التحليق مع القصيدة في عوالم متنوعة في آن واحد..

يضم الديوان 153 قصيدة تدور حول مشاغل إنسانية عامة تتمركز حول قضايا امرأة مشغولة بالكوني والإنساني، بالعام والذاتي، كما في قصيدة ” الذهاب الى الوراء ” ص.25:

“يوم آخر لا تعرفه

يوم احزم فيه نصف الحقائب، عائدة الى الوراء

إلى ما اصبح يتردد إليّ

أمكنة لا تؤوي..

هنالك قوة ما

سنّارة عالقة بين الصخور، أتدلى من رأسها وأرفرف كسمكة لا تحاول الطيران 

يوم آخر لا تعرفهُ

الخوف ينتشر في الشوارع

الشمس تصبّ حريقها من براكين الأجساد..

ومن هذه القبضة التي تتطاير منها النيران”.

ويتضح هذا التزاوج بين الخاص والعام جلياً في قصيدة “أجنّة ” ص.49.

“أريد أن اكتب أيضاً كلّ ما يمكنه أن يكون حيّاً

بسعادة

أو بباهر الألم

تلك الأجنّة التي تتربى داخلنا

حياة اخرى لم تخرج من الاعماق بعد” ص.49.

فالكتابة لديها هنا عن كل ما هو حيّ، مشترك رغم أن الإحساس بالأمل هو إحساس ذاتي محض، لكن الأجنّة تتحول إلى إشارة عامة مشتركة تعبيراً عن طبيعة المخاض الذي تعانيه المرأة أو الإنسان.. فليس بالضرورة أن يكون هذا الجنين تعبيراً عن ولادة جديدة بقدر ما يكون إشارة لتراكمات حسية وانفعالات ومشاعر متراكمة تنفجر وتولد في لحظة ألم أو سعادة، أي أن القصيدة تخزن معنى يتعدد على مستويات قراءته، أو من يقرأه.

لكن الشاعرة لا تخفي أنثويتها أو كونها امرأة – شاعرة لها همومها وتطلعاتها وموضوعاتها التي تتمحور أو تتمخض عن معاناتها الخاصة في قصائد أخرى، ففي قصيدة “البحر” ص.131.

“وحده البحرُ

يفهم امرأة ماثلة إليه كالصخر

الذي يتقاسمه”

تتكرر هذه الثيمة في قصائد أخرى أيضاً، حتى تتحول إلى أمر أكثر تعقيداً، فتقترب من البوح الفلسفي الذي يفيض بإيحاءات حسيّة شفافة مغرية:

“لو كان بالامكان أن نقول كلّ شيء في الوقت الملائم

لكنّ اللذة تكمن في الفوات

وداخل هذا الغامض الذي يغلّفُه،ُ

هذا الكنز الذي

لا تصل إليه اليد. “ص.135

وحين تبوح عشقها في بعض القصائد فانها تهمس، وترسم، وتتحول اللغة لديها إلى علامات وشواهد تفيض بأحاسيس متدفقة  وأحلام وضياء كما في قصائد ” نسمة الرنين” ص. 145، و”على الشجرة الكبيرة” ص.152 ، ثم قصيدة “يدان في النوم” ص. 139 التي تقول فيها:

“لا أستطيع أن أقدّر هذا الضوء تماماً

لأنّ حاستي مفتوحة كليّاً

على يديك المضمومتين

النائمتين

كحلم”.

بأحاسيس متدفقة  وأحلام وضياء كما في قصائد “نسمة الرنين” ص 145، و”على الشجرة الكبيرة” ص152.

ثم قصيدة “يدان في النوم” ص. 139 التي تقول فيها:

“لا أستطيع أن أقدّر هذا الضوء تماماً

لأنّ حاستي مفتوحة كليّاً

على يديك المضمومتين

النائمتين

كحلم”.

بيد أن إنشغالها بآلامها، وعوالمها الخاصة،  لا يمنعها من رؤية ما تعاني منه نساء آخريات.. فهي آلام وهموم تتشابه إلى حد ما، لذلك تحتج في قصيدة “تحت الأنقاض” على عالم يتمسك بفضيلة كاذبة :

“ما يبكيني الآن

صوتُ امرأة

غناء امرأة لا يرتفع أبعد من الجدران

يظنُّ العالم أن لا نساء هنا

يردمنا العالمُ تحتَ الأنقاض الفضيلة”. ص134.

حيث يكون صوت المرأة السجينة وراء قضبان القمع والمهانة، ويتحول هذا الاحتجاج الى تقريع وتحفيز إلى سماع تلك الأغاني  المكبوتة التي تصدح رغم كل الجدران والتغييب الذي يمارس باسم الفضيلة ضد المرأة ووجودها الإنساني.

وهكذا يمكن القول، إن قصائد الشاعرة أبرار سعيد تطلعت إلى أبعد من النص المكتوب في راهنيته، وتنظر الى الأسمى والأكثر طموحاً، ولا ترغب تكرار نفسها، أنها تريد صباحاً مختلفاً..

“تهدل فيه الحمامة

تجرّ الضوءَ من الأعالي

إلى الشرفة

إلى النافذة

إلى الستارة

وتنهض الأحلام معها”.

“قصيدة صباح آخر” ص.149

إنّ ديوان الشاعرة أبرار سعيد إضافة نوعية للشعر.. آمل أن يجد اهتماماً حقيقياً من القرّاء والنقاد على السواء.

  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قحطان جاسم

قحطان جاسم
شاعر ومترجم عراقي وباحث في علم الاجتماع السياسي، نشرفي الصحف العربية والعراقية والدانماركية ومنذ عام 1977 العديد من القصائد والمقالات والدراسات في شتى المواضيع السياسية والاجتماعية والادبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *