الرئيسية » قلم رصاص » شيزوفرينيا ثقافية

شيزوفرينيا ثقافية

منافع الغرب أم القيم الإسلامية ؟؟

أكثر المتدينين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا يعلنون مراراً أنهم يلتزمون بقيمهم ومبادئهم الإسلامية ولا يحيدون عنها، لأنها تمثل صمام الأمان ضد قيم الغرب ومحاولاته التي تسعى، كما يدّعون، لسلبهم هوياتهم الثقافية ودينهم. علماً إننا نعرف أنهم يمارسون حياتهم الدينية المتنوعة بصورة أفضل مما تقدمه لهم البلدان الإسلامية، كإيران والسعودية والباكستان وغيرها..

ولهذا لا تصافح المرأة الرجل الذي يقوم بتقديم خدمة إليها في إحدى دوائر الدولة، والرجل لا يصافح المرأة التي تمدّ يدها في إحدى تلك الدوائر، وهي تقوم بواجباتها باحترام وتقدير تجاهه، مقارنة بما يلاقيه المواطن من احتقار من قبل أصغر موظف في بلداننا.

وبعض النساء المسلمات تبالغ في التشديد على ارتداء الحجاب والثياب الطويلة، أو العباءة، بل إن بعضهن يرتدين البرقع في محاولة لتجنب إرسالهن إلى التدريب في سوق العمل. فطبقاً لقوانين الضمان الاجتماعي، المواطن ملزم بالقيام بنشاط ما، كالتدريب أو الدراسة مقابل تلقيه المعونات الاقتصادية من الدولة في حالة البطالة. بل ان بعضهن يتشددن في ذلك، رغم تجاوب بعض أماكن العمل إزاء مطالبهن حول ارتداء الحجاب، كما يجري في المستشفيات، مثلاً، التي تتطلب ارتداء نوع خاص من الملابس لغرض الوقاية الصحية وغيرها، حيث تم تكييف ملابس غطاء الرأس إلى نوع خاص يتجاوب إلى حد ما مع متطلبات الحجاب.

وبعضهم لا يكتفون بذلك بل يطالبون بفصل الجنسين في المسابح المدرسية، أو تقديم طعام معدّ على الطريقة الإسلامية، والذبح الحلال، وهم يعرفون أن الذبح الحلال غير ممكن في المجتمعات المعاصرة، التي تقوم على الإنتاج الكمي، وإن ما يتم إعلانه أحياناً من قبل بعض الشركات حول الذبح الحلال هو مجرد تلفيق لا أكثر لإرضاء مشاعرهم وتحقيق ربحية أكبر باعتبارهم عنصراً جديداً ومهماً مستهلكاً للحوم، لأن طريقة الذبح الجارية الآن ليست فردية يدوية، بل تقوم بصورة أوتوماتيكية آلية ولا يمكن التزام الطقوس الدينية التقليدية بها. كما أنهم يطالبون بيوم خاص للمرأة في المسبح، وأن تنزل بثيابها الكاملة إلى حوض السباحة، وهو أمر غير ممكن تحقيقه لوجود ضوابط صارمة في المسابح تتعلق بالوقاية الصحية، وتجنب انتشار الأمراض المعدية وغيرها.

بالمقابل نرى هؤلاء المسلمين متحمسين لاستلام المعونات الاقتصادية والتمتع بالضمانات الاجتماعية التي يقدمها النظام الغربي الكافر، ويستخدمون منتوجاته فيركبون سياراته، ويقتنون تلفزيوناته وتلفوناته ويستخدمون أدوات التسلية الأخرى. كما أن نسائهم ترتدي ما تنتجه دور الأزياء الغربية ومصانعها من ملابس وأحذية وأدوات مكياج ووسائل الاتصال وغيرها.

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، بل إن العديد منهم وجدوا طرقاً للالتفاف على قوانين الضمان الاجتماعي، للحصول على مكاسب مادية أكبر، حتى لو أضطرهم الأمر للكذب والخديعة؛ مثلاً بإعلان انفصال الزوجة والزوج والطلاق رسمياً في الدوائر الحكومية الأوروبية، بينما يحافظون على وثائق زواجهم الرسمية الصادرة عن الدوائر الإسلامية في بلدانهم أو تلك المنتشرة في الجوامع الإسلامية في البلدان الأوروبية، رغم معرفة هذه الدوائر بأساليب الخداع والتزييف التي ترتكبها هذه الزيجات..وحين يحاججهم أحد على هذه الازدواجية، ويقول لهم: ما تقومون به لا يعدو أن يكون كذباً فاضحاً وخداعاً مبطناً يكون جوابهم: إن الإسلام يحثنا على الاستفادة ممّا ينتجه الغرب مع المحافظة على قيمنا.

والسؤال هل يمكن الفصل بين استخدام هذه المنتوجات الغربية الكافرة والقيم التي تنتجها، ثم تأثيرها على السلوك اليومي للمسلم؟ كما يحدث مثلاً باستخدام الإنترنت والفيسبوك وفضاءات التواصل الاجتماعي الإلكتروني الأخرى، التي سهلت مثلاً عمليات الاتصال بين الجنسين، وفتحت أبواباً جديدة على معارف وقيم جنسية لم يألفها العالم الإسلامي، ولا تتوافق في مجملها مع المعارف والسلوكيات التي تتطابق مع زمن محمد قبل 1400 عاماً.

ولماذا، إذا كان هؤلاء المسلمون فعلاً حريصون على الإسلام، وتهمهم قضية الآخرة، لا يختارون بلداً إسلامياً كباكستان أو إيران أو السعودية للعيش فيه والحفاظ على قيمهم الإسلامية حيث تتوفر لهم فرصة أكبر للحفاظ على هذه القيم مما لو عاشوا في الغرب الكافر؟ لماذا يبذلون الغالي والرخيص لغرض الوصول إلى الغرب، لدرجة أنهم يعرضون حياتهم للغرق والموت في عرض البحر أو لأهوال الرعب التي يفرضها المهربون لكي يهربوا من بلدانهم الإسلامية التي سلبتهم الحياة والكرامة الإنسانية واحتقرت وجودهم كبشر ؟

لم تكن رئيسة وزراء أستراليا على خطأ حينما طالبت أحد السلفيين الإسلاميين المتزمتين، وقد حاول مقاطعة خطابها بشعارات إسلامية فضفاضة قائلة له: إذا كنت تريد الإسلام فلماذا لا تذهب إلى بلد إسلامي كإيران أو السعودية.
أو كما يقول بعض الدانماركيين: هم يرفضون قيمنا ولكنهم يتدافعون للحصول على منافع ضماننا الاجتماعي ويفعلون كل شيء من أجل الوصول إلى الغرب حتى ولو أدى ذلك إلى غرق بعضهم في عرض البحار !!

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قحطان جاسم

قحطان جاسم
شاعر ومترجم عراقي وباحث في علم الاجتماع السياسي، نشرفي الصحف العربية والعراقية والدانماركية ومنذ عام 1977 العديد من القصائد والمقالات والدراسات في شتى المواضيع السياسية والاجتماعية والادبية.

شاهد أيضاً

رحيل الفنان السوداني ياسر عبد اللطيف

نعى فنانون سوريون زميلهم الممثل والمخرج المسرحي السوداني ياسر عبداللطيف، الذي توفي اليوم في إحدى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *