آخر المقالات
الرئيسية » رصاص خشن » خربة العنز… (1)

خربة العنز… (1)

رأيتُ الوردَ أسودَ يا صاحبي… ليس مهجّناً.. وليس صناعياً.. وليته كان آخر عجائب عَنْزستان التسع.. لكن فنون خربة العنز  جنون… حين عدتُ إلى منزلي  أحمل قرار تعييني الوظيفي في  مركز  القرن الأعوج المتوسّط للتجميل البديل للعَنَز  في  عَنْزستان يعني  خربة العنْز  بالثغاء الفصيح..  تراءتْ لي وردة أحلامي تسودُّ.. تخيّلتُ أحلامي مسوّدة ورد.. لكن ما إن دخلتُ غرفتي حتى انقطعت الكهرباء  ورحت كالأعمى أتلمّس  بعكازة الخيال طريقي،  إلا أنني  تعثرتُ بالطاولة،  اهتزت، فسقطت  مزهرية الكريستال التي تحضن باقة الجوري والياسمين،  سمعت صوت تكسّرها ثغاء أحول، ورأيت الورد أسود يا صاحبي، كأنما دخل بياضه في غيبوبة فضائية.. نسيتُ أنك حين ودعتني  قلتَ لي: أحسن الله عزاءك بسواد شَعْر عنزستان و أعظم أجر  الثغاء في أحلامك.. أعزيك لأنك لن تكونَ بعد الآن أنت.. قلدّت ثغاء جَدْيٍ هرم شاب صوتُه في عزّ شباب تعنّزه… وقلتَ لا اعتراض على قضاء الله مَن تَعَنّز مات..

وعبرتُ صباحاً الطريق إلى خربة العنز أو عنزستان بالعاصي الفصيح.. كان في السيارة إلى جانبي أحد سادة الفهم في خربة العنز كما بدا من معاملة السائق له.. فتح شباك الشباك فدخل الهواء بارداً قلتُ له: أنا بردان.. ردّ تشرفناً أنا فهمان خربة العنز .. كتمتُ ضحكة أحسستُ بتكسّر رنين ثغائها حين اهتديتُ لبناء المركز  بعد أن حفظتُ عن ظهر  عين خريطة المكان الذي أرسلها لي “تيس سات” أحد أهم قرون المسؤولية في المركز، طالعتني  نعوة على بابه  لفتَ نظري  ما مكتوب عليها: أهالي خربة العنز بقرون صلبة، وثغاء الرضا ينعون لكم علّامة نسب القرون بالخربة بعد أن وفاته المنية إثر ذوبان رأسه ببرميل الأسيد، إذ ذهب تغمده الله برحمته لمركز شحن البطاريات ورأى برميل أسيد وضع يده فيه وحين أخرجها لم يجد كفه فمد رأسه في البرميل فذاب، وتحتسبه خربة العنز شهيداً.

كدت أضحك لكن هيبة القرون أجفلت ضحكتي… كما لفت نظري  تفرّد شكل البناء كأنه صورة عنزة متصابية .. وكان من عادة المركز أن يقيم حفل استقبال للعاملين الجدد..  حيث تصطف على جانبي المدخل فرقة كشافة السخلات، وتطلق العنان للثغاء ترحيباً بالعامل الجديد.. دخلت الإدارة  كان كل مكتب عليه حمالة لافتة مؤلفة من قرنين تحمل صفة الموظف.. دخلتُ أولاً مكتب تَيْس سات أفندي.. كان يضع خلفه لافتة كُتب فيها ما بين قرنين  على قدر  أهل العنز تأتي القرون.. قيل لي: تيس سات أفندي الصندوق الأسود للفتنة في المركز، هو شغّال على مدار أربع وعشرين ساعة في بث واستقبال الفتنة.. استقبلني، رحب بي.. وقال: سأضيّفك ضيافتنا التقليدية، وهي كأس مغطّس بالحليب، ونادى المستخدم ليجلب الضيافة كدت أضحك لكن.. قطع ضحكتي دخول المستخدم حاملاً  قرنين كبيرين، ارتبكت،  ضحك المستخدم وقال: داخل القرن كأس مغطّس بالحليب تشدّه للأعلى وتلحس ما علق عليه من حليب.. ضحكتُ وما كدتُ أن أضحك… وقال المستخدم: موجهاً كلامه لتيس أفندي.. أستاذ تيس من أين يستخرجون السمسم.. هزّ الأستاذ تيس رأسه، وضحك مستغبياً المستخدم وقال :يا بني لماذا مخك باع القرون وصرف حقّها.. هذه بديهية  فقط شغّل مخك يستخرجون السمسم من البرازق..  لا… والله المرّة ضحكتُ.. قال لي الأستاذ تيس سات أفندي.. سأقدّم لك نشرة  موجزة عن الموظفين هنا.. أولهم التيس حصان إبليس  سمعتُ صدى الثغاء يردد: أبو عيون جريئة  شيطان بقرنه نار..

 وتابع ثانيهم: عنزة غيْتْ المشهورة بالعنزة (الشِّرنّة).. رددّ الثغاء  صدىً أعوج اللسان: فضيحة وترغيت وكلّ غيتْ شهباء لا تسرّ الناظرين، سبحتها متر  وفي كل شعرة فيها رأس شيطان خمّام ذمّام  ساعة لربها وعشر  لشياطين نفسها.. وتابع ثالثهم: الأستاذ التيس  زهلول، كأن الصدى تهدّج.. متخنث كحروف العلة متنخّث كزلومة الدّلّة..  وأرقط زهلول وإن لانت ملامسه في تقلّبه العطب.. وفي كلّ ما يفعل يجوز الوجهان.. وتابع: و العنزة اللقلاقة،  الصدى ما ردّد: كان حزيناً يقف على ساق واحدة، إنما الأستاذ تيس قال: شمطاء عجفاء  ثغّاءة   في الصدر، نطّاحة في الظهر، أما  العنزة عرفاء جيئل  ففخامة الاسم تكفي..  لكن احذر ما تحذر، التيس  واوي الجن في كلّ واد يهيم  على أنه في وادي عبقر مقيم،  وقلبه في واد يهيم، وشياطينه ناقصة عقل ودين..  أمّا السخلة سندبلا  فهي كإسفنجة الحانات.. واللبيب بالقرون لا ينطح.. أما العنزة المميّشة فتلك غزالة تحلم أن تصير.. صمتَ، نادى المستخدم أن يجلب له ماء..

دخل المستخدم  يحمل كأسين في كل كأس ليرة معدنية في أسفله.. سألت الأستاذ تيس سات أفندي  ما هذا.. ردّ مغتبطاً  مياه معدنية نحن في خربة العنز  نحوّل الماء الطبيعي معدنياً بابتكارات ذاتية.. ما ضحكتُ..   لكن كدتُ.. لولا أن أستاذ تيس حمحم وقال: هل تعلم أنّ من عادة أهالي خربة العنز إذا رأوا لصاً  يجفلونه، ليهرب، فيلحقونه، فيسبقونه، وحينها  يضحكون منه  متندرين ويقولون: حرامي فالصوا.. ولا يستردون المسروقات بل يتباهون بأنهم سبقوه .. كأنني ضحكتُ .. وشردتُ  طويلاً  عرفتُ يا صاحبي  خاتمتي فبدأتُ الرقص على إيقاعات ثغاء ستة عشر بحراً..    

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن د. خالد زغريت

د. خالد زغريت
كاتب وأكاديمي سوري، إجازة في اللغة العربية، دبلوم دراسات عليا شعبة الأدبيات، دبلوم تأهيل تربوي، ماجستير في الأدب القديم وعلم الجمال، دكتوراه في الأدب القديم وعلم الجمال. يعمل مدرساً في كلية الآداب. ينشر في الصحف والمجلات والدوريات. له عشرون بحثاً علمياً محكماً في الدوريات العربية والدولية وعدة كتب منشورة منها: قامة النار وخريف السيدة الأولى، أهرامات السراب، الصفير في وادي الشياطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *