الرئيسية » رصاص خشن » الضحك من لحى الزمان

الضحك من لحى الزمان

ولأنّ مَنْ لا يعرِفُ الصقرَ… يَشْويه، فإني لم أشعْر أنني شويتُ  حكمة “الذي في رقبته مسلّة تنخزه” إلا حين فوجئتُ بأنّ هناك حقّاً مَنْ نتفَ ريش عصافير البوير كلّها، وكان خبيراً بأنواعها أكثر من خبرة “النَّوَريِّ” بجلد الغرابيل، فهو يميّز الطير الطائر فوق “الشيخ الحميد” إن كان  بَيُّوْضاً أو أبا حنٍّ أو دلُّونة…

كثيراً ما كنت ُ أراه يغافل نظراتِ مَن يجالسه، لينتف شعرة من ساعده ويروح يتمعّنها كلما سنحت له فرصة انشغال الآخرين عنه، أمّا إذا رأى ريشة على الأرض فكان يتلفّت مثل ثعلب ليتأكّد إن كان يراه أحد أم لا، فيلتقطها ويدسّها في جيبه، ولذلك لا يخلو جيب من جيوبه من آثار الريش على الرغم من اعتنائه بقيافته الفلكلورية، وكان قلقه لا يخفى على أحد، بل كان مبعث قلق من أن ينتف ريش مقامهم الذي لا يليق به أن يُحشا برَجُل من ريش، وكان اضطرابهم يكبر حين ينسلّ بين أشجار اللوز ليخلو بنفسه.

ودفعتني الحشرية أن أدخل جبّ سرّه، فتخفيت وتبعته، فرأيته ما إن يغيب بين الأشجار يتلفت بسرعة ليتأكّد أنّ لا أحد يراه، فينتف شَعْرة من ساعده، ثم يخرج من جيبه ريشة عصفور صغيرة، ويبدأ بالمقارنة بينهما، ورح يطيل التأمّل، ثم يحرك يده بعصبية وكأنه يريد أن يمسك دورياً ويأكله بريشه، ويحدّث نفسه بصوت يعلو ويعلو، حتى ظننت أن عقله طقَّ وطار.

فاقتربت منه وفاجأته، ارتبك كثيراً، لكنه استسلم حين عرف أنني كنت أراقبه وأعرف ما يفعل، وكان طيباً حدّ السذاجة، سرعان ما أباح بسرّه، فقال بألم: إنهم يحطّون عينهم عليّ، يحسدونني، يريدون أن ينتفوا ريش مقامي. تحايلتُ كثيراً لأعرف مَن هم وكيف ولماذا؟ لكنني خبتُ، فقد كان سرّه في جبّ عميق، ولأن جب سره فوق الأرض لا تحتها فقد تعرّى سرّه كبيُّوض منتوف، فما إن صمتُّ حتى تحدّث، لقد كتبَ في الجريدة أنني نتفت كلّ عصافير البوير، كدت أن أضحك لكنني تذكّرتُ أنّه لا يعرف أن يهجّي من حروف الأبجدية إلا الباء والطاء والألف، ولم يقرأ إلا بخياله تكرارها وتقليبها.

تذكّرت أن المسكين انتفخ حتى لم يسعه جلده، وقلت في نفسي يا مسكين مَن يُكتب عنهم ليس بمثلك، ثمّ قلتُ له: على كلّ حال مَن يصحّ له النوم على ريش العصافير!! بيت أبيه في رأس القلعة، ردّ بغضب وكأنني نتفت ريشه كلّه: وهل هناك في الدنيا قلعة أعلى من “تلّ مريش”، تذكّرت أنه عالي المقام بعينه وعين مَن ينتفه، وتابع متوعّداً : أيظنّ أنه لا أحد غيره يعمل جرائد، كدت لا أفهم المقصود من التعبير، وقبل أن أستفسر عما يقصد قال: انتبه!  تؤخذ الدنيا قلّاباً، سألته: كيف، قال: عجيب تعمل نفسك فهماناً ولا تعرف ماذا تعني “غلابا”.

لم أدهش من معرفته لتدري على أني لم أقصد الاستفسار عن هذه الكلمة، لكنني تمنّيت أن أتعلّم، فالله يضع حكمته في أضعف عقله، قلت: علّمني، المجالس مدارس .. تابع : “هذا شعر قاله عمّي خضير، وكان – الله يرحمه – يلكن بالبدوية، وذلك يوم الثلجة الكبيرة التي صِدنا فيها العصافير بالغربال، و”الغلابا” تعني يا فهمان:  القلّابَ، وهي نوع شاحنة تقلب حمولتها قلباً، وتابع: وهذا الشعر يعني أن الدنيا مثل البحص بقدر ما تملك من قلّابات تحمل بها من الدنيا. وتابع: كل شهاداتك لا تعني شيئاً إن لم تتعلم الضحك من لحى الزمان.

تذكّرت حكماً كثيرة سواء خذوا الحكمة من أفواه المجانين، و.. وتحمّدتُ ربي كثيراً، أنّ أحمد شوقي أمير الشعراء هو من ضيعتي وكان اسمه عمّي خضير لا من مصر، وأنّ هناك تقويماً آخر غير الهجري والميلادي و.. هو تقويم الثلجة الكبيرة، وأنّ هناك حرباً عالمية أخرى لم يسمع بها أحد بعد، هي حرب صيد العصافير بالغربال،.. كدتُ أن أتذكّر لكنني نسيتُ، وحاولت أن أعرف مَن قرأ له الجريدة وضحك منه،  فأخفقتُ لشدة ذكائه، ولكنه من غير أن أحتال على فرط ذكائه قال: إنه يريد أن يعلّم عليّ “قطّ تل مريش” سألته بكلّ بله: ومَن “قطّ تل مريش”، يعني هو الذي يحاصصك بنتف العصافير؟

نظر إليّ نظرات نارية، ثمّ قال: وهذه لا تعرفها! أين تعيش يا الله كم في هذه الدنيا ناس متخلّفون جهلة، شكرته من كلّ قلبي، لكنه على ما يبدو لم يفهم لفظي لأنني قلتُ له: شُكْراً، ولم أقل له: شَكْراً، وتابع  يحكي: كان ذاك القطّ الذي  تظنُّه الآن ليس قطّاً يسكن “تل مريش”، ويصطاد عصافيره، ولا أحد يعرف سرّ تعلّقه بالتل إن كان لسهولة صيده العصافير هناك، أم لإحساسه بالأمان قرب حجارته، أم لأنه مولع بالقعدة في العالي ولو على عمود كهرباء.

دارت الأيام وشبع القط عصافير، وسوّلت له نفسه أن ينزل من التل ويعيش بفخامة الدنيا، وأراد أن يكبر، فهو بحسب رأيه خُلق ليعاشر الكبار، وكانت حكمته، عاشر الكبير تصبح كبيراً، فكلب الأمير أمير، وأراد أن يعاشر النمور، فدهن جلده  بخطوط على شكل نمر ليشبهها ولو بخطوط جلده، فلعلّ نمراً من النمور  يتحرّش به، وإن خدشه أو مزّق جزءاً من ذنبه أو أذنيه الطويلتين، فإن ذلك سيجعله في صف النمور، لكن النمور خيّبته، فكانت تدوسه ولا توليه أهمية وكأنه بقايا جيفة، فراح ينتف وبره عساه حين يظهر لحمه ويعرضه يثير لعاب النمور فتعضّه، لكنها لم تأبه له، بل صارت تتقزز منه وكأنه حاوية نتنة، وكأنها تعرف حكمة “الخروق لا تستر العروق”.

لم ييئس، فكّر كثيراً فطابت له فكرة أن يدهن جسمه بالزبدة فلعل زناختها تجذب أنوف النمور فتثير شهيتها، فتأكله، فيقال فيما بعد: والنعمُ منه، ما صارتْ لغيره، لقد أكله نمر، فيصبح كبيراً رغم أنوف الجميع، لكن النمور راحت تذبّ عنها الذباب فيطير نحوه فيغرق بالزبدة على جلده، فوجدت فيه النمور ملهى للذباب عنها.

من يومها “والقطّ” يحتال ليكون كبيراً، فمرّة يدْهن جسمه بعسل وأخرى بلبن من دون جدوى.  وهذا القط يخاف أن يراني كبيراً فلا يترك فرصة تتاح له إلا و يذكّرني بأن مقامي ليس على قدّي، فيغتنمها ويغنّي بها،  فقلت له : يعني “القط هو الذي صار يقرأ جرائد ويحكي لك” قال : لا..لا . فأيقنت أنني عاجز أمام ذكائه، فهو على رأي فيروز “سمّى الحي ولولا … سمّاني”، قلت له : لكن القطّ يريدك هذه المرّة أن تنتف ريشك بيدك، ليأكلك وهو مستريح، قال: لكن أنا لست عصفوراً، ولا ريش لي، لكنه، لم يستطع إلا أن ينتف شعرة من ساعده ويخرج ريشة من جيبه ليقارنها.

تركتُه .. ومشيت  وسمعت فيما بعد أنه أقلع عن عادة نتف ريشه، لكنه خشية أن يأكله قطّ تل مريش، راح يطارد القطط، وكلما أمسك بواحد ينتف وبره، وهو يقول للقطّ :عرفتك يا ابن الحرام، تظنّ أنك أذكى مني ..والله لأنتف وَبَرَكَ قبل أن تنتف ريشي ..!!! إنّه حكيم وكبير بلا شكّ فهو يعرف كيف تؤخذ الدنيا بالقلّاب .. لذلك صار من لحى هذا الزمان ،  مّن منا يا صاحبي يقدر على الضحك من لحى الزمان.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن د. خالد زغريت

د. خالد زغريت
كاتب وأكاديمي سوري، إجازة في اللغة العربية، دبلوم دراسات عليا شعبة الأدبيات، دبلوم تأهيل تربوي، ماجستير في الأدب القديم وعلم الجمال، دكتوراه في الأدب القديم وعلم الجمال. يعمل مدرساً في كلية الآداب. ينشر في الصحف والمجلات والدوريات. له عشرون بحثاً علمياً محكماً في الدوريات العربية والدولية وعدة كتب منشورة منها: قامة النار وخريف السيدة الأولى، أهرامات السراب، الصفير في وادي الشياطين.

شاهد أيضاً

رواية “المهاجر” للكاتب محمد النجار.. رحلة البحث عن الحرية

تقدّم رواية “المهاجر” للكاتب الفلسطيني – البلجيكي محمد النجار عملاً سردياً إنسانياً يلامس واحدة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *