الرئيسية » قلم رصاص » يوميات حرب طائفية…أهلية بمحلية (3)

يوميات حرب طائفية…أهلية بمحلية (3)

وقفت على الجهة المقابلة للباب الشرقي بانتظار السرفيس كالعادة، صوت القصف يأتي مكتوماً من بعيد وبعض السحابات السوداء ترتفع من ناحية جوبر وزملكا. لا أحد يلتفت، يهتمّ أو حتى يرتعش.

لون السماء بدأ يميل إلى الأحمر المغبرّ مع الغروب، في الأعلى سرب من اللقالق المهاجرة من أيلول سوريا إلى مناطق أكثر أمناً ربما. غريب كم كانت قريبة من الأرض، رأيت بوضوح أجنحتها الكبيرة المفرودة في الهواء ورقابها الطويلة؛ بدت مشوّشة في طيرانها من دون القائد الذي اختفى من مقدمة سربها الذي يفترض أن يطير كزاوية سهم. لم يكن لسربها نقطة زاوية، مرتكز قائد السرب فارغ، فكرت:

– يمكن قنصوه أو اجته شي رصاصة طائشة.

عليها الآن أن تعتمد على غريزتها، أن تحصر جميع حواسها كي تتمكن من متابعة الطريق، وربما عليها أن تستفتي قائداً جديداً على عجل. هل يحدث هذا في عالم الطيور يا ترى؟

لمعت نجمة صغيرة في الأفق ذكّرتني بلمبة توفير طاقة بيضاء، لكنها كانت أجمل بتفردها وسط عتمة الغروب، وكان نورها أبهى. فوجئت بها، فقد نسيت أن في سماء الليل أشياء تلمع اسمها “نجوم”.

كم كنت مولعة بمراقبة النجوم في طفولتي، أعرف من توضعها السماوي مجموعة الدب الأكبر والأصغر، واستطيع تمييز برج العقرب أيضاً وسهم برج القوس، لكنني كبرت ونسيتها كما نسيت ألعابي التي احتفظ بها في كرتونة على سقيفة ما. لم أعد أنظر إلى السماء كما كنت أنظر من قبل، هذا هو الأمر كله وببساطة شديدة.

طال انتظاري، وبدأ حشد المنتظرين بالتزايد على الموقف. تمر السرافيس مليئة بالناس ولا تتوقف. وبتفاؤلي

المعهود فكرت:

– شويّ وبيجي واحد فاضي…

حتى أنني تخيلت الجهة التي سيأتي منها.

نظرت نحو الباب الشرقي فرأيت الجامع والكنيسة متجاورين، لا أعرف اسم الجامع ولا أعرف اسم الكنيسة، كل ما أعرفه أن هذه الصورة مربوطة في ذاكرتي بالصور (المطروشة) على الفيسبوك تحت عنوان “التعايش الديني”. ضحكت من الفكرة، كم يشبه مفهوم (التعايش الديني) مفهوم (التعايش الأهلي)، من الذكي الذي اخترع هذين المصطلحين الغبيين؟ بالفعل يستحق جائزة.

حصل كما توقعت تماماً، وها قد وصل باص فارغ، من ذاك الذي يسمونه (نصف باص) أو شيء بعجلات يشبه الـ (هوب هوب)، مقاعده ضيقة، خانقة، محصورة بالحديد، لا تناسب المصابين بفوبيا الأماكن المغلقة. لكنه يفي بالغرض.

صعدت. انتقيت مقعداً منفرداً كي لا يزعجني أحد بجلوسه قربي، يا للرفاهية فكرت.

على المقعد المجاور جلست امرأة مع طفلها المصاب بالـ” داون”، ظل يصرخ طوال الطريق والمرأة تهدّئه. 

أنظر من النافذة (ذات الستائر) الوسخة، العرق ينحدر من أعلى ظهري إلى أسفل، أمسح قطرة تسللت من شعري وبدأت تدغدغ رقبتي.

الباص يتحرك بالكاد، على الشارع الرئيسي مجموعة من المحلات المتتابعة المختصة في إصلاح المولدات الكهربائية، الآظانات، كهرباء السيارات، ميكانيكية، حدادين، نجارين… كل ما تشتهيه النفس من حِرف…

تحولت الدكاكين إلى ما يشبه مستودعات لعددهم، فإن احتاجوا غرضاً من (العدة) دخلوا الدكان ليأتوا به ثم تابعوا ما يعملونه على ما تبقّى من الرصيف.

انطبعت في ذاكرتي أيديهم الملوثة بالشحم، وبالإصرار على إتمام عملهم قبل حلول الليل.

يتحرك الباص ببطء في سيل الازدحام المروي، يمشي مترين ويتوقف، ثم متر آخر ويتوقف، ومع كل متر تَوَقُّف يمتلئ بالركاب المنهكين بالانتظار، انتظار وسيلة ركوب ذات فسحة صغيرة تتسع

لانتظارهم، انتظار يوم آخر مضى على خير وربما لم يمض… وربما انتظار استمرار التعوّد على الحياة بإيقاعها الجديد.

فكرت:

– أكيد في بنزين أو مازوت بكازية “زغلولة”، وبس نقطع الكازية بينفرج الطريق..

أتمسّك بحديد المقعد أمامي حتى أكاد أشم رائحته. كم هو ضيق هذا المقعد.

في الممر قربي تقف امرأة مع ابنتها البالغة من العمر سنتين أو يزيد، المرأة محمّلة بأكياس خضرتها، والطفلة تتمسك بأطراف مانطو أمها، تتأرجح يميناً ويساراً مع كل ضربة فرام يدوسها السائق، كذلك المرأة مع أكياسها النايلون تحاول عدم الاستناد على كتف ذاك أو ذاك. وكالعادة لم ينتَخِ أحد من الرجال المسترخين في مقاعدهم، بل ظلوا ينظرون إليها بحيادية وكأنها ليست هنا، (مكدوسة) بين باقي الركاب كما يجب أن يكون.

وضعت الطفلة في حضني كي لا تركلها الرُكب، أو تضيع بين الأقدام الكثيرة في الممر الضيق.

– خليكي قاعدة عند خالتو.. إيه؟

ووافقت الطفلة أمها بهزة صغيرة من رأسها، فقد تعبت هي أيضاً من ارتطام رأسها المتواصل بحديد المقاعد.

أشعر بسعادة مطلقة، الطفلة في حضني، أعانقها من بطنها بيدي، أشعر بدفئها وبدقات قلبها الصغير. تذكرت صديقتي إيناس تصف حركة طفلتها داخل بطنها وملمس أصابع

قدمها الصغيرة تشد على جدار البطن. كم كنت قريبة من هذا الشعور، أو ربما أتخيل.

توقف الباص. نزلنا جميعاً وسرنا نحو الجسر.

تحت الجسر بائع قتّة على عربة يجرها حصان، يرتدّ صدى صوته عالياً وهو ينادي على بضاعته مستسيغاً لعبة الصدى، فيلوّن صوته ويتلون ويزداد ارتفاعاً. تستفز السيارات حصان عربته بزماميرها، واضح أنه متوتر يضرب الأرض بحوافره بعصبية.

كشك صغير على دواليب يبيع القهوة والشاي لجموع السائقين المنتظرين في سياراتهم.

 يحيا الشعب السوري العظيم بصموده وعزيمته على البقاء.

 كشك متنقّل صغير زينه صاحبه بسلسلة من أوراق بلاستيكية خضراء، فقد صُنع هذا الكشك ليبقى، وليلتصق اسمه على واجهة الزجاج؛ ليتني أتذكر اسمه. ربما كانت كأس شاي ميلاد وأبو ميشو من هذا الكشك، من يعلم!

سرت مع جموع الناس مشياً لنجتاز الحاجز، على التراب، فكرت بقدمي اللتين ستتسخان لكن لا يهم طالما ما يزال هناك ماء في البيت، فلا يعقل أن نعلق هنا لساعات، وها قد مضى يوم آخر.

7 أيلول 2013

 مجلة قلم رصاص الثقافية

عن آنــا عـكّـاش

آنــا عـكّـاش
كاتبة ومسرحية سورية، إجازة في اللغة الإنكليزية، إجازة في الدراسات المسرحية، دمشق، ماجستير في العلوم الثقافية وفنون العرض، تونس، عضو في اتحاد الكتاب العرب، وفي نقابة الفنانين، مؤسس فرقة "مراية المسرحية" 2017، عملت كمدرسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وعملت في المسرح القومي في دمشق كدراماتورج ومعدة ومؤلفة نصوص مسرحية وكمخرج مساعد، وفي السنوات الأخيرة بصفة مخرج مسرحي. سيناريست لعدد من الأفلام القصيرة والأعمال التلفزيونية السورية، إضافة لعملها كمستشار درامي في عدة أفلام سورية. تعمل في الترجمة من اللغتين الإنكليزية والروسية، إضافة إلى دراسات وأبحاث في المسرح أهمها "تاريخ الأزياء" و"الأصول التاريخية لنشأة المونودراما".

شاهد أيضاً

رواية “مسعدة”.. حين يتجسد الوطن وقضيته في امرأة

يطل الروائي الفلسطيني محمد النجار على القرَّاء في روايته “مسعدة” حاملاً حزمة من القضايا المُلحة …