الرئيسية » رصاصة الرحمة » حداثة… قدامة

حداثة… قدامة

لا يمكن فصل الحداثة المزيفة عن القدامة المتباهية، بأي طريقة من الطرق، فهي مخلوق برأسين، يعتمدان على نفس الجسد الذي يقوم بتغذيتهما وهما يقومان بإدارته على ما يتصادف من توافق واشتراك بينهما يودي إلى استقرار و استنقاع، أو تعاكس وتصادم يتطاير منه الشرر والأشلاء ونوافير الدماء.

فالقدامة  المشتهاة هي حداثة ذاك الزمان البطيء، والحداثة المزيفة هي قدامة هذا الزمان السريع، ومشكلة هذا الكائن ذي الرأسين، أنه لا يستطيع إنجاب كائنات إلا برأس واحد، يتصارع عليه أبوين ذاتيي الاخصاب، ليصنعا تراجيديا رخيصة بتكلفة غالية جداً. والحل يكمن في أحد أمرين إمّا قطع الرأسين معا، أو دمجهما معاً، وبما أن الحلين مستحيلين بسبب عامل الزمن، فليس من حل إلا إدامة الصراع كفعالية وحيدة للحياة على هذه الدنيا الفانية بانتظار فنائها عن آخرها.

وإذاً نحن الآن نأتي على الحداثة المزيفة، بمعنى أنها قدامة مزينة خارجياً ببعض الإشارات التمويهية من تكنولوجيات مشخصة، أو أزياء متميزة، فإن القدامة مزيفة بالضرورة، فمعلومة تاريخية واحدة مؤكدة أو غير مؤكدة قد تسحب البساط من تحتها إلى غير رجعة، والعلوم التي تنتج المعلومات كثيرة، ولكن العقول والهمم التي تحولها إلى معارف وإنجازات هي قليلة على ما يعرف الجميع، وهكذا نعود الى المربع الأول حيث الموت والدمار، لننظر إلى هذا الجنون المتعمد، وإلى هذا العناد الشرس، بين قدامة استنفدت أغراض وجودها، وبين حداثة لا تستطيع مصارحة نفسها، أنها كذبت كذبة وصدقتها، فوقعت في الزيف.

والآن ما الحل ؟!.. بمعنى الانتقال من الفوضى إلى الانتظام. وهي مسلمة تعني تماماً وبدقة نهضة الشعوب أي انتقالها من حال إلى حال أحدث، ما يعني حاجتها (الشعوب) إلى حداثة حقيقية قادرة على توليد حداثة من لدنها وهكذا دواليك….. هل هذا حل؟ ربما ولكن الحل الآخر هو استمرار تراجيديا الإفناء…. فهل هو معقول أكثر من الأول بالنسبة لعاقل؟!

كيف لشعوب أن تتجشم عناء الفوضى، ولا تتجشم عناء الانتظام؟!!  أو تتبنى عناء التدمير وترفض تبني عناء البناء والإنتاج؟! وترعى عناء الدم والموت، وتقعد عن عناء الحياة والكرامة الإنسانية؟!  كيف ذلك؟

لا أسعى هنا الى عرض تراجيديا التسامح والانتقام، فعنائهما متساوٍ، إذا لم نقل أن عناء المسامحة أكثر عنتاً من عناء الانتقام، ولكن على الحياة أن تمشي وتزدهر، إذا كنا عاقلين أو طبيعيين، ولن تمشي الحياة إلا بما وصلت إليه من إنجاز، أي بما هو حديث، لأن كل ما هو حديث، هو قديم مضاف إليه كل عناء إنساني ينتج إنجازاً، لتصبح الحداثة ضرورة وليست ترفاً، إنها خبز العيش المجتمعي، والعيش المجتمعي هو عيش حديث وحداثي بالضرورة، وليس من عيش غيره حتى الآن، لا يودي إلى الاحتقان والتحاقد والانفجار، إنه أحسن الموجود إلى الآن، ولهذا العيش قواعد “انتظامات” يجب الخضوع لها، ليس شكلاً فحسب، بل بكل إخلاص وعزيمة صادقة، لا يمكن مواربة الحداثة المجتمعية أو اللعب عليها، فهي مفخخة استراتيجيا، لا يمكن مواربة “المساواة” (مثالاً) بحجة المكونات أو الهويات المتداخلة، بناء على وعي حداثوي يرصد الواقع كما يراه، محاولاً تكريس “أحقيات” و (ليس حقوقا) عافتها العقول الراشدة، في فصام واضح تجاه مفاهيم الاجتماع البشري المعلنة، وهي ليست نتيجة تراكم أدبيات متنوعة بل ناتجة عن عقول متخصصة في هذا الشأن.

ليست الحداثة شأنا جيداً أو سيئاً، كما أنها ليست قبيحة أو جميلة، خيرة أو شريرة، إنها ببساطة تكنولوجيات العيش البشري، والبلدان والشعوب، وكذلك القرى والنجوع، لا تعيش منفردة ومنعزلة في هذا العالم، كما أنه توجد شروط للعيش فيه  يضعها الأقوياء، وتأثير العالم ليس اختياريا فهو مفروض فرضاً، والأقوياء لم يولدوا هكذا أقوياء بل مارسوا تكنولوجيات العيش البشري بكل إخلاص وعزيمة صادقة، دونما مواربات أو تكييف (تحرير الزنوج في الولايات المتحدة  “تحقيق المساواة” نسف أجزاء أصلية من التراث “القدامة” الأميركي وبشكل موجع للبيض).

إن العيش بحداثة هو تحرير للإرادة ليصبح كل حادث ارتقائي هو بفعل فاعل، يعي ويقصد ما يفعل، (المقصود بالإرادة هي إرادة الأفراد المتساوون). وإلا كيف ارتقت الأمم وشعوبها الى مراتب الأقوياء؟ إنّهم أبناء اليوم يعيشون بتكنولوجيات اليوم، ويعرفون فوائد التّحكم بغيرهم من الضعفاء مسلوبي الإرادة، بسبب لا حداثتهم.

الإبداع (مهما كان نوعه أو اختصاصه) هو حداثي، ولا يساوي شيئاً إلا إذا كان مضموماً إلى منظومة حداثية تقييمه وتعايره، وهو لا يساوي شيئاً لأن لا مكانة له في ظل فوضى (لا انتظام) ناتجة إما عن قدامة متجذرة أو حداثة خلبية مزيفة أو الأثنين معاً، والإبداع هو اقتصاد الأمم القوية (بغض النظر عن مكانتها بالتراتب العالمي) الذي يسبب قوتها، ولا مكان له في الفوضويات التي لا ترى لنفسها من ضرورة للإنتقال الى الانتظام، فهذا علم بالغيب على الأقل ،ما يؤدي الى إعدام البيئة الإبداعية برمتها، لا بل والتمثيل بها بعد هذا الإعدام العبث، فالفرد في مجتمعات الحداثة هو إمكانية تجب رعايتها كاستثمار يعود ريعه على المجتمع ككل (الحداثي حصراً)، حيث يمكن لمجتمع من هذا النوع تحمل صدمات الإبداع مهما كانت وتحويلها منتجات تدعم استمراره مرتقيا، بسبب ما يقدمه الإبداع من فرص متجدد للشبع والمنعة. لا يعيش “مجتمع” لا يتسع صدره للإبداع، ولن يتسع صدره إلا إذا كان حداثياً يضمن لأعضائه حرية الإرادة.

التكنولوجيات بغض النظر عن كونها مشخصة أم مجردة، هي حداثية بالضرورة، وعلى الذي يعيش في هذه الكرة الأرضية ممارستها بحقيقتها ليصبح ذو إرادة تستطيع التعامل مع الموارد والإمكانيات، ليضعها في خضم التنافس البشري، وإلا سوف ينفجر داخلياً محتقنناً ومختنقاً برفضه للحداثة، منتجاً تراجيديات دموية يورثها لأجيال كتيرة ترسف في انتقاماتها التي لا تنتهي….. ولكليب حيا مقام آخر..

هل لدى هذه الشعوب أي نية لتحرير إرادتها بواسطة التكنولوجيات الحداثية؟ أم أن لها طريقتها الخاصة المجربة منذ أقدم العصور؟

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

السرير كنص

آمنة مامو  | عندما طُلب من غاستون باشلار أن يصف المبدأ الذي انطلق منه في …