الرئيسية » رصاصة الرحمة » الافتراض الخرافي

الافتراض الخرافي

لنفترض جدلاً أننا قررنا نحن سكان العالم العربي، مواجهة نهاية التاريخ ثقافياً، وكذلك صراع الحضارات، والعولمة، والفوضى الخلاقة، وإلى ما هنالك من منتوجات ثقافية “اعتدائية”، ليس لكوننا ضدها فقط كونها ليست على صواب أو حق، بل لأننا نعتبر أنفسنا نحن موضوع الاعتداء وعلينا الدفاع عن أنفسنا “نظرياً” على الأقل، تحضيراً لساعة الصفر التي تقع في نقطة “ما” على خط بياني مفترض أو محلوم به أو مأمول فيه، حيث تعتبر هذه النقطة قمة الوعي ومنها الإنطلاق لحسم هذه المسائل والقضايا، حسماً لا رجعة عنه ولا ردة فيه.

ولكن ماذا لدينا في الواقع من عدة وعتاد ثقافي يمكننا من هذه المواجهة؟ صحيح أن مستودعاتنا مليئة بالمعلومات وعلى الرغم من أننا لما نزل نحشو هذه المستودعات بالمعلومات الجديدة والمستجدة عن كل شيء حتى فاضت وطفطفت، ولكنها لما تزل معلومات لم تتحول إلى معرفة، لأنها تحتاج إلى مفاعل ثقافي يطبخها ويخرجها كي تكون ممارسات يومية، إن كان عبر الأيديولوجيات والعقائد أو كان عبر الثورات، أو من خلال السلوكيات الواعية للحقوق والواجبات، ولكن لنعد إلى سؤال ماذا لدينا؟

ربما كان ما لدينا كثير، وربما من نوعية جيدة علميا لا بل وممتازة أحياناً، ولكن سؤالنا يتمدد هنا بالضرورة ليصبح هل ما لدينا قابل للتطبيق أو الاستخدام؟ هنا تكمن بؤرة السؤال فيما لو قررنا أنه لدينا شيء نواجه به المنتجات الثقافية الاعتدائية.

يزخر عالمنا العربي بالمفكرين والمنظرين وزعماء الأحزاب والمحللين والكتاب والكتبجية، أحياء، وشبه أحياء، وأموات، يفكرون ويحللون وينظّرون في كل شيء ولكل شيء حتى يمكن الإدعاء أنه لدى هذا العالم العربي فائض إنتاجي يزهق في واجهات المكتبات في انتظار القراء والمتطلعين أو المهتمين بالانتماء الى هذه الأيديولوجية أو ذاك التيار، أو حتى الحصول على وعي يكفي للعيش في مستجدات العصر الثقافية، ولا يبدو هذا الإعراض وليد ظروف تبسيطية حكى عنها الكثيرون، ولكن وهو الأرجح هو في عدم  صلاحية هذه الأفكار والتنظيرات للتطبيق، أو الخروج من الحالة النظرية إلى الحياة والواقع.

بغض النظر عن عائدية هذه الأفكار أو التنظيرات، إن كانت تنتمي إلى الفكر القومي الحداثي أو التراثي، أو تنتمي إلى اليسار الأممي، أو الليبراليات الحداثية أو ما بعد الحداثية أو حتى العولمية، فإن سؤال التطبيق والممارسة ينطبق عليها، ليتلخص السؤال في: هل يمكن تطبيق هذه الأفكار على أرض الواقع، لنأخذ النظريات العروبية على شتى منطلقاتها وهي الأكثر شيوعاً ( مع أختها الإسلامية ) كمثال، وهي نظريات بدأت إرهاصاتها منذ القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من طول فترة تواجدها ( حتى أصبحت أثرية) في التداول الثقافي المعلوماتي بين ظهرانينا، إلا أنه لا توجد أية بوادر عملانية عن إمكانية تطبيقها، فهل استطاع أحد ممارسة “العروبة” قومياً بالمعنى الحقوقي؟ أو هل استطاعت هذه النظريات المقبولة شعبيا أن تجد لها تطبيقاً عملياً دائم، من عالم اللغة (التأسيسي لهذه النظريات )؟ حتى عالم الاقتصاديات الأقليمية ؟ لا يوجد ما يدل على ذلك، ناهيك عن فكرة الوحدة الإندماجية الكبرى أو مقابلاتها الرمزية من أمثال جامعة الدول العربية، في مقابل توحدات إقليمية وقارية مورست على ألأرض و وحتى خلال فترة صراع الرأسمالية “البغيضة” مع مناوئيها، بمعنى أن التنظير وجد له مكان في التطبيق، وهو ما تفتقده شعوب عالمنا العربي، إذ تبدو أفكار مفكريها غير قابلة للتطبيق، بمعنى أنها قد تكون فوق إنسانية أو تحت إنسانية، ولكنها ليست واقعية، وبالتالي يبدو الإعتماد عليها في مواجهة المنتوجات الثقافية “الاعتدائية” واهياً تماماً، حيث أنها لم تكن لديها الأهلية الحياتية للمشاركة والتأثير في هكذا منتوجات، فسكانيات العالم العربي لم تكن في موقع الضد في تنظير فوكوياما عن نهاية التاريخ، ولا في تنظير هنتغتون عن صراع الحضارات بمعنى تقارع المنتجات الثقافية مع بعضها، وكانت في حدها الأقصى كائنات مخبرية لا حول لها، يمكن استخدامها على سبيل المثال لا أكثر، لإن المواجهة التي قصدها هذين المنظّرين كانت حول الصراع بين ثقافات قابلة للتطبيق والممارسة والإنتاج، وفي الحقيقة لا يمكن إعتبار المنتجات العنفية للأفكار غير القابلة للتطبيق تطبيقات إيجابية مشرفة، بل هي تعبير عن أزمة تفكير وإنتاج ثقافي قابل للحياة.

الأفكار الافتراضية، هي أفكار مأزقية بطبيعتها، حيث تعيش الشعوب أفراداً وجماعات ضمن تقاليد افتراضية، لا تداني استحقاقات الواقع الموجود، بل تشترط عليه شروطاً وواجبات ترويضية في سبيل تحقيق افتراض لن يتحقق، وذرائع فشل تحقيقه جاهزة للتبرير فيتحول الافتراض إلى خرافة مقدسة يدفع ثمن خرافيتها الكثيرون، ولكن الزمن يمر والشعوب تزداد انحطاطاً وتشكياً ونقيقاً من هذا الواقع التظالمي حيث لا أدوات واضحة وفي متناول اليد إلا العنف الصرف، لينفجر عند نقطة “الوعي” القصوى المفترضة على الخط البياني الآنف.

عبر قرن ونصف ونيف، لم تنوجد في قارتنا “العربية”، أفكار أو نظريات أو ايديولوجيات يمكن تطبيقها وتنفيذها في أرض الواقع، لا إن امتلكت القوة، والظرف المناسبان أو لم تمتلكهما، وإنما هناك مجموعة من “الاشكاليات” المفترضة  أيضاً أطلق عليها أسم “مسائل” على الطريقة الأوربية الإستعمارية كالمسألة الشرقية مثلاً، وهذه المسائل تقوم بتخريف الفكر الافتراضي، بسبب عدم تمكنه من إيجاد براهين تثبت صلاحية هذا الفكر أو ذاك، حيث ينكب مخترعو هذ “المسائل” مسؤولية الدفاع عن التخلف بعقلانية مريرة، طالبين من العالم التخفيف من حدة تقدمه بحجة أن للتخلف حق مشروع بالوجود طالما كان أصحابه تشملهم الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، مع الأخذ بعين الاعتبار حقهم بإستخدام هذه الشرعة استنسابيا بالمقايضة مع العنف كمنتج أصيل من منتجات التخلف.

الفكر الافتراضي مهما كانت الأدلة على صحته يتحول إلى فكر خرافي إذا لم يطبق أو يمارس، حيث لا يكفي العنف لإنفاذه، بحيث يتحول تطبيقه إلى دليل وحيد على صحته وفي هذا مصيبة كبرى حيث أنه يقطع الطريق على أية أفكار أخرى تسعى الى الإرتقاء بالواقع، لذلك لا يعني شيئاً إن انتهى التاريخ أو لم ينته بالنسبة لأصحاب الفكر الخرافي، ولا إن تصارعت الحضارات أم لم تتصارع، فهذا خارج شأنهم وأسئلتهم و”مسائلهم”، وتظهر مرتسماته في الواقع كأجهزة وتنظيمات عنفية ليس لديها إلا  إلغاء الآخر أي آخر، حتى ولو كان هذا الآخر الدليل الوحيد على وجودها. قد يفسر هذا ظاهرة الصراع على السلطة، السلطة مهما كانت محلية أو دولية أو كونية من أجل تطبيق الأفكار الافتراضية التي تحولت إلى خرافات لا يمكن الدفاع عنها إلا بالسيف.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

السرير كنص

آمنة مامو  | عندما طُلب من غاستون باشلار أن يصف المبدأ الذي انطلق منه في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *