الرئيسية » رصاص ناعم » حوار مع الكاتبة هيلاري مانتيل عن التاريخ والرواية

حوار مع الكاتبة هيلاري مانتيل عن التاريخ والرواية

حوار: عاصف الخالدي  | 

الكاتبة الوحيدة التي حصلت على جائزة المان بوكر لمرتين، أولاها عام 2009 والثانية عام 2012. ومنذ ولادتها عام 1952 في مقاطعة ديربي القريبة من مدينة مانشستر، بدأت الكاتبة البريطانية وعيها في سن الخامسة كما تقول، متذكرة أنها كانت تنتمي لعائلة كاثوليكية تؤمن بقوة بالحسنات والخطايا، مما جعلها تفكر دوماً، بأنها ارتكبت خطيئة ما، حتى لو كانت لا تعرف ما هي هذه الخطيئة!. وهذا ما جعلها دائمة البحث، عن الخطايا التي لم يذكرها التاريخ. تمتاز هيلاري مانتيل بأعمال روائية تاريخية، برؤية درامية وفنية لا تخلو من إسقاطات على الحاضر. تناولت هذا في عملها الأشهر: ذئب الصالة، والذي حصل على جائزة البوكر، وحصل جزؤه الثاني عليها عام 2012. حيث تكتب مانتيل عن فوضى بريطانيا بعد تحررها من براثن بقايا عهد الرومان، ومحاولة بريطانيا مع جنون هنري الثالث للاستقلال باللغة والتفكير، وتكوين إمبراطوريتها الخاصة، مجدها الخاص، وكذلك عنفها الخاص. الطابع التاريخي الموازي، المحمل بالسخرية والثورات وأحداث دموية وأخرى إنسانية، هو ما بحثت عنه مانتيل لعشرين عاماً، حتى خرجت بأعمال عميقة استحقت جوائزها، وهي أعمال، ليست بعيدة عن حاضرنا أبداً. يبقى جديراً بالذكر، أن أعمال الكاتبة لم تترجم إلى العربية حتى اليوم.

* في بداياتك، اشتغلت على الرواية التاريخية، ثم ابتعدت عنها لفترة من الزمن، وفي النهاية، عدتِ إليها، لماذا؟

– أعتقد أنني صرت روائية لسبب رئيسي، وهو أنني ضيعت فرصتي في أن أكون مؤرخة، كان الرواية خياري الثاني المفضل، وحين عدت إليها، بدأت أحدث نفسي عن قصة يجب أن أكتبها، قصة عن الثورة الفرنسية والأشخاص الذين قاموا بها، وبالأحرى، قررت أن أكتب عن أعدائها.

* لماذا هذه القصة بالذات، وهي قصة تم تناولها كثيراً بالطبع؟

–  ربما لأنني قرأت العديد من كتب التاريخ ومن الروايات التي استطعت الوصول إليها، إلا أن جميع ما قرأته لم يشعرني بالرضى، خاصة ذاك الذي تناول معاناة الأرستقراطيين والتنكيل بهم، أو من جعل من الثوريين بشراً مثاليين. هنالك أناس حقيقيون، شاركوا في صنع هذه الثورة، وهؤلاء من أردت كتابة رواية عنهم، لأستطيع فيما بعد  قراءتها.

لذا، جلست وبدأت أكتب، كما لو أنني الوحيدة التي  تريد كتابة رواية مدعمة بحقائق عميقة أو تاريخية، لكن، وبعد بضعة أشهر، وجدت أنني افتقد تلك الحقائق التي تخص مرحلة ما، وجعلني هذا، أمضي يوماً كاملاً محاولة ترتيق النص دون هذه الحقائق، في النهاية، كان الصمت يسود حولي، شعرت بالسذاجة لمحاولة الترتيق تلك، وفكرت بعدها في أن تلك الحقائق المفقودة، موجودة في مكان ما في الخارج، سيكون خطئي وحدي، إن لم أخرج وأبحث عنها، مهما كلف ذلك من جهد.

*  لكن التاريخ يهمل الإنسان، الفرد، أليس كذلك؟

– بالطبع، وحين أدركت ذلك، وأدركت أنني لن أعرف حقائق تلك المرحلة من خلال عمق شخوصها كأفراد ربما. أدركت أنني يجب أن آخذ عنصري المكان والزمان المحيطان بالحدث وحقائقه كأولوية.

* هل قمت ولو لمرة بتغيير طبيعة حدث أو حقيقة تاريخية لتتناسب مع العمق الدرامي للسرد في رواياتك؟

– أبداً، لم ولن أفعل ذلك. إنني أهدف دوماً لجعل السرد الدرامي مرناً بحيث يصل بطبيعية إلى تلك الحقائق ومن ثم يلتف حولها. عدا ذلك، لا أجد فائدة من إبراز تلك الحقائق في النص كتاريخ مجرد أو كعناصر درامية مجردة رغم أنها تاريخية، السرد يمتص تلك الحقائق، ولا يقولها مباشرة. إن كنت قد خرجت بحكمة ما من كتاباتي، فأظنها تقول بأن جودة المادة التاريخية لا تتعارض مع جودة المادة الدرامية للسرد في حال اجتمعتا. أعرف أن التاريخ غير نقي، وأن كثيراً من حقائقه، تقود للشك وعدم الارتياح، إذ غالباً ما تكون متنافرة ومتفككة. بحيث يبدو انك لا تستطيع ان تكون نقياً إلا لو كنت قديساً، لا كاتباً. هذا لأن القداسة مرتبطة بالنقاء. لكن الأعمق، هو أن يستمر الكاتب بالحفر، وأن يكتب ويبحث، رغم كل هذه الأشياء المتفككة والمتنافرة.

* تقصدين إذن تناقضات التاريخ؟

– نعم، هذه التناقضات هي ما تعطي الرواية التاريخية قيمتها، كذلك الغموض المحيط بالشخصية، ويتمثل ذلك بشخصية كرومويل، في روايتي: ذئب الصالة، جعلت من كرومويل مادة جوهرية للغموض والتناقضات التي تعتري المادة التاريخية. في الواقع. يوجد من كرومويل إثنان، واحد نعرفه في الحقول الاكاديمية، والآخر الذي يذكره التاريخ. وهاتان الشخصيتان المرسومتان لرجل واحد، لا تلتقيان، وربما لم يكن ممكناً الخروج بتركيبة جديدة أعمق لسيرة كرومويل، إلا من خلال الرواية. هذه ميزة الروائي، عن الأكاديمي والتاريخي.

* ذكرت شخصية كرومويل، هلا تحدثيننا عن شخصياتك التاريخية بشكل أوسع؟

– حين أقوم بالكتابة عن شخصيات تاريخية، أضطر لاحتلال كل شخصية منها، وهذا عمل شاق، ولا أقصد بذلك أنني أقوم باحتلال جسد الشخصية والاستحواذ عليها من خلال عقلي ككاتبة، إنما، هي عملية امتصاص للشخصية، ومحاولة للتماهي معها أيضاً. مثل شخصيتي جوليانا وكارينا. حين عاشتا قصة حب وموت في الرواية،  كانت مسؤوليتي تجاههما كمسؤولية أم مخلصة، ولأقول ذلك بشكل أوضح. حين أتعامل مع شخصية حية في الواقع أو الرواية، فإن لي نظرة ورؤية ما عنها، لكن حين تكون تلك الشخصية تاريخية، وميتة، فإن مسؤوليتي تكون أكبر بكثير. خاصة أنها لم تعد تملك ما تقوله.

* من المعروف أن الحياة الخاصة للشخصيات التاريخية، غالباً ما تكون غامضة ومتناقضة، هل تحاولين معرفة تفاصيل حياتهم بعمق قبل أن تكتبي المشاهد عنهم، أم تفعلين ذلك أثناء كتابة المشهد الروائي؟.

– أبدأ من نقطة صغيرة، مثل نظرة، أو صوت، من هناك أبدأ مشهدي، ولكن، حين أكتب ما يمكن أن تسميه بمشهد كبير أو مؤثر ربما، مثلما فعلت مع شخصية كروموبل وغيرها، فإنني أقوم بالتحضير أولاً، أكون قد قرأت كل ملاحظاتي، وكل ما يتعلق بالشخصية تاريخياً أو غير تاريخي، ومن ثم، ألقي بكل هذا جانباً، آخذ نفساً عميقاً، وأخوض غمار المشهد، تماماً مثل من يخرج للمسرح لأول مرة، أكون خائفة، ومتحفزة، خلال كتابة المشهد، لا بد لشيء جديد، أن يتكشف.

* هل سبق وأطلقت أحكامك الخاصة على شخصيات رواياتك، الرئيسية منها على الأقل، الشخصيات في أعمالك كثيرة، في كرومويل توجد 159 شخصية مثلاً، ويذكرني هذا عن حديث الكاتب إي إم فورستر عن الشخصيات المركبة والأخرى السطحية، فما رأيك؟

–  للشخصيات تأثير يختلف، لطالما نظرت بشكل خاص لشخصية كرومويل مثلاً، إنسان ذكي وطموح، يرى الصورة بشكل أوسع، يلتقط التفاصيل بعمق، يخطط، ويعرف كيف يقود الآخرين للعمل لأجله. في المقابل، الشخصيات المسطحة، تلعب دوراً ما، لا بد منه كتفصيل في الرواية التاريخية، ولذا، لا بد لي على الأقل من الإحساس بمشاعر تلك الشخصية حين كتابتها، لكن، وبالنسبة للرواية التاريخية، الشخصيات الكثيرة التي يتم طرحها كأسماء فقط، كان التاريخ قد قدمها كأسماء فقط، ربما نتركها على حالها، لكن مهمة الروائية، تبدأ من هنا، وتكمن في البحث عن حيوات تلك الشخصيات، التي أسقطها التاريخ.

الحوار مترجم عن مجلة:
 paris review- issue 212 – 2015

روائي ومترجم من الأردن | مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

الأكاديمي الأنيق..!

لدينا أكاديميون مبدعون.. نعم مبدعون ليس في نطاق المعرفة، ولكن في القدرة على التكيّف.. إنهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *