الرئيسية » رصاص ناعم » ثقافة الاختلاف

ثقافة الاختلاف

هناء الصلال  |

نكتب بحبر أسود على صفحات الظلام ونريد من القارئ أن يفهم تلك الثرثرة العبثية في أعماقنا.. هل العيب بالحبر أم بالأفكار..أم بفكرالقارئ..؟؟ ذلك الميراث الجمعي وما يحمله من ثقافة متوارثة شوه مفاهيم المصطلحات.. الثقافة لا تخلو تماماً من النظرة الذاتية لأي فكر لا يتوافق مع تيار المجتمع.. وبما أن النفس الإنسانية غُرست بها منذ الجيل الأول بذرة الشر ونمت في أعماقها بعد روايتها بما أكتسبته من البيئة وميراثها الجمعي التراكمي من معتقدات وقيم.. فإن الميل للشر فعل مكتسب من البيئة بسبب فوضى الصراعات القائمة في الحياة البشرية..

البشر ذلك المركب البيولوجي المتجانس لكن العادات والتقاليد والقيم والدين تختلف بين جماعات البشر وتمثل الثقافة التي تميز المجموعات البشرية عن بعضها (كونفوسيوش) .. ويؤكد حكيمنا قوله: بأن الإنسان لا يكفي أن يفعل بل يجب أن يعي ما يفعله وعلى الفعل أن يكون بالمستوى المطلوب فالناس مخلوقة للسير في طريق الفعل أي العمل وهذا ما أكده (ابن خلدون) في مقدمته..

المعنى..كلنا فاعلين وعاملين ولكن بحسب مفهومنا للفعل والعمل وبحسب توظيف البيئة للفعل والعمل.. التمسك بثقافاتنا المتوراثة حصر هذين المفهومين في مجالات محدودة واستيراد ثقافة الغرب وضع مفاهيم جديدة للفعل والعمل مما خلق هوة بين ثقافتين، أولها: مسالمة خاضعة وراكدة وثانيها ثورية عاصفةومجنونة.. ومن هنا باتت ثقافة الاختلاف مرفوضة بسبب تباين الثقافات والمفاهيم المرتبطة بهما وخلق هوة بين الأجيال جيل الآباء وجيل الأبناء.. وقد بات في داخلنا وحشين أحدهما مسالم والآخر مفترس، ونحن من نمتلك القوة التي تغذي أحدهما، في تغذية المسالم نكون آمنا بمسلمات المجتمع الذي نحيا فيه ونسير بفعل متزن مقبول اجتماعياً..أما بتغذية المفترس نكون قد أحدثنا تلك الثورة المفاجئة التي تتهاوى معها كل القيم والمبادئ التي ورثناها عن المجتمع.. السؤال..كيف نخلق ذاك التوزان..؟؟

قامت الحياة البدائية بتقليد الحيوان فأصبحنا قطعان من ذئاب تنقض على الكائن الأضعف الذي تلفظه الحياة خارج موازين القوة، والنفس الإنسانية تضمر الخير والشر وتغذي العنصر الأقرب لمكتسبات البيئة والتربية..وبعد صدور الفعل غير الإنساني نعلق كل أخطائنا على شمعدان الشيطان.. رغم أن الشيطان في أنفسنا طغى أكثر من الشيطان ذاته وخلق الخراب وأباح الموت بكل الطرق المحرمةدينياً وأخلاقياً وثقافيأ.. والثقافة ذاك العنصرالمتغير الذي يدخل ماهو جديد للحياة والذي ميز حياة الشعوب وطورها أو كان سلبياً جعلها في حالة ركود وهذا ما يعاني منه مجتمعنا العربي الذي استورد الثقافات الجديدة دون التدرج بها لتسلق سلم الحياة الاجتماعية درجة..درجة.. فحدث أن تفككت المجتمعات بسبب تباين الأفكار والفهم المبهم للثقافات الوافدة من الغرب ذات التأثير العميق بالجيل الناشئ ذاك الجيل الذي وصفه (ابن خلدون) هو الجيل المقلد والضعيف الاتكالي.. طبعاً لا يخلو أي مجتمع من وجود حالات تنافي هذا القول ولكن لا يحدثون تلك الثورة الفكرية المطلوبة ويكونون فاعلين بما يكفي لتغيير مجتمع بأسره فما زلنا تحت رحمة المجتمع بعاداته وتقاليده رغم الحضارة الباهرة في كثير من الدول وما نفتقر له في هذا الحال هو تحويل الفكر لفعل لكن قيود المعتقدات المتوارثة تحد من الفعل وتثري الفكر الهاجع في بئر الجهل.. وعلى الرغم من الإيمان المطلق بأن الثقافة تمنعنامن السقوط في وادي عميق وأنها السلاح الذي يواجه الجهل ويتفوق عليه، نحاربها حال تحولها من فكر لفعل.. تستحضرني قصة العالمة المصرية من أصول يونانية (هباتايا) التي قتلوها بسبب الجهل ورفض ثقافة الاختلاف فهي أول عالمة رياضيات ومعلمة نذرت عمرها للتعليم وتربية الأخلاق وهذا يجسد أن العلم كماالنفس بدون تربية لا يثمر..وما زال مجتمعنا يقرأ الواقع كما التاريخ بفكر يجهل ثقافة الاختلاف ومع انتهاج قولبة العقول بقالب نمطي يقتل النور في ذروة النهار..

غبار العادات والتقاليد الشائبة أثقل أنفاسنا حدّ الاختناق به، ونسأل لماذا الغرب يتقدم والعرب تغرق في حروب لا نهاية لها المجرم القابع في أفكارنا دمر كل الجسور التي يمكن أن توصلنا إلى أرض النور والدين خاطب العقل الباحث عن العلم فمهندس الكون العظيم لايمكن الإيمان بعظمته بدون الحبر والورق والذي خاطب البشر ب(إقرأ) طلب منا أن نلتزم القراءة حتى ترتوي الروح من فيض العلم ونزيل غبار الجهل القابع في خلايا الدماغ..ونأسف على عقول حجرها الجمود وقتل رغبة الاكتشاف والتحصيل ونبكي على الركوب العابرة التاريخ من أمجادنا فروضوا هذا التاريخ وصنعوا منه حضارات لاتقهر وصدروا لنا ثقافة الدين والطائفة والدم ..إلا مارحم ربي وأولئك ترفع لهم القبعات وأنا أسيرة الحرف بلا خجل تأسرني الكلمات الأنيقة والصادقة والهادفة فلنرتقي رحمة بهذا المجتمع ورأفة بذاك الجيل الذي اكتسب ثقافة الحرب.

موقع قلم رصاص الثقافي

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

الأكاديمي الأنيق..!

لدينا أكاديميون مبدعون.. نعم مبدعون ليس في نطاق المعرفة، ولكن في القدرة على التكيّف.. إنهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *