الرئيسية » رصاص ناعم » وجهاً لوجه مع حلب (4)
لوحة الفنان السوري سعد يكن

وجهاً لوجه مع حلب (4)

“مطر مطر مطر… بالنعمة انهمر”

وسام الخطيب
                                            وسام الخطيب

أسقط تجار الحروب والدماء الأطفال السوريين من معادلتهم، أسقطوهم تماماً، وكأن الحرب السورية لن تمسهم بسوء، ومن يدقق النظر في الواقع سيرى عدم وجود مبادرات كافية تغطي مأساة الطفولة في سورية، والتي بدأت منذ أكثر من خمسة أعوام، وما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة، ويدرك أي عاقل أن أمل سورية في أطفالها إلا المشتغلين في السياسة، الذين ينطبق عليهم ما قاله مارك توين يوماً: “السياسيون وحفاضات الأطفال يجب تغييرهم باستمرار وللسبب نفسه”!

ذكرت التقارير الأخيرة لليونيسف أن أكثر من 8،4 مليون طفل من أطفال سورية تأثروا بشكل مباشر بالحرب، وأنهم بحاجة إلى المساعدة، وأن مليوني طفل منهم لا تصلهم المساعدات أبداً، وأن 200 ألف طفل في مناطق محاصرة تماماً، وأن ثلث أطفال سورية لم يعرفوا سوى الحرب، وأن هناك أكثر من 2,5 مليون طفل لاجئ، آلاف الأطفال منهم غير مصحوبين بذويهم، وفي تقرير صادم صادرعن جهاز الشرطة في الاتحاد الاوروبي أُعلِن أن أكثر من عشرة آلاف طفل غير مصحوب بذويه اختفى في أوروبا، ومن المتوقع أن الكثير منهم تعرض للتحرش الجنسي، أو وقعوا في يد عصابات الإتجار بالبشر، وأن 2,8 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس، وأن أكثر من ثلث الأطفال الشهداء قتلوا أثناء تواجدهم في المدرسة أو في طريق الذهاب أو الإياب منها، بعد أن بلغ عدد الاطفال الشهداء في سورية أكثر من 13,500 طفل حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ويحق لنا أن نفكر أيضاً بأهمية وضع إحصائيات عن الأطفال الذين أصبحوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، عن الأطفال الأيتام،عن الأطفال المجندين في الحرب السورية والذين يصل مرتب الواحد منهم حسب التقارير الأخيرة إلى 400 دولار شهرياً، عن الأطفال المفقودين تماماً، ،عن الأطفال الذين ولدوا في مخيمات اللجوء، الأطفال الذين ينتظرون لم الشمل مع عائلاتهم، الأطفال الذين يمتهنون التسول داخل سورية وخارجها، والذين بكى نجيب محفوظ عندما رأى أحدهم في زمن مضى يبيع الحلوى، وقال: ” أحلام الأطفال قطعة حلوى، وهذا الطفل يبيع حلمه!”

عندما اشتغلت بتعليم الأطفال في ريف حلب لمدة عامين، قمت بالسنة الأخيرة بتزيين الصف مع طلابي لتحسين البيئة المادية السيئة في المدرسة، وكان هدفي أن أمتص عنفهم المفرط الذي يظهر ابتداءً من طبقة صوتهم، وانتهاءً برسوماتهم عن الحرب، والسبب الآخر هو أنهم الصف الأنشط في المدرسة، وقد استحقوا لقب “الصف الموسيقي” عن جدارة ، يدخلون الصف وهم يغنون: “النحلة قالت لي مرة / لا يغني الجزء عن الكل..”، أخرج لأحضر الطبشور فأعود لأرى البعض فوق المقاعد يرقص، بينما يتولى البعض الآخر مهمة الدق على الطبلة /المقاعد، أجعلهم يصطفون للانصراف إلى المنزل، فيغادرون وأقدامهم تدق الأرض بوتيرة واحدة: “سفينة الفضاء/ تطير في الهواء…” أضرب أخماساً بأسداس، من أين لهم هذه الموهبة الفذة في حفظ الأناشيد المدرسية وتلحينها؟ في الحقيقة لا دور لي في صقل مواهبهم، معلمتهم صارمة وجدية، قدمت إليهم من “العالم الأكاديمي” ولا تعرف كيف تحرك وسطها، قلت لنفسي لا بأس، فحتى الفيلسوف الفرنسي جيل تولوز قال يوماً: “وأنا أستاذ أريد أن أقدم الدرس مثلما يصنع ديلان مع أغنية”!

أن تكون معلماً للأطفال في الحرب يعني أن ترى اليتم مجسماً في كائن صغير ينمو بنمو هذا الكائن حتى يصبح اليتم بحجم وطن، أن ترصد تشويه المحيط للمنظومة الأخلاقية/ الجمالية عند الأطفال، أن تمسح دموع خوفهم، أن تشم رائحة الفقر من ثيابهم، أن تستقبل أولياء أمور بعض الأطفال وعلى أكتافهم بنادق لا تستطيع أن تقول حيالها شيئاً، فثمنك مثل ثمن أي طفل في سورية: رصاصة! أن تصير شريراً، وشمت الحرب على يدك الكثير من الكراهية لتصفع طفلاً، وتصرخ في وجهه: عجّزتني! تقول أغاثا كريستي: “ليس صحيحاً ما يشاع بأن الأطفال ينسون بسهولة، فكثير من الناس يعيشون حياتهم، وهم رهائن لأفكار انطبعت في أعماقهم من سنوات طفولتهم المبكرة”، يا ترى بأية ذاكرة سيذهب أطفال سورية إلى المستقبل !؟

في أحد الأيام المدرسية من شتاء 2014م تم قصف المبنى المجاور للمدرسة بالقذائف الثقيلة، ووصلنا صوت اشتباكات عنيفة، أتذكر تماما أن الأصوات كانت مهولة لدرجة أنني شعرت أن قدمي تعجزان عن حملي، انفجر بعض الأطفال بالبكاء فوراً، كنت أريد أن أبكي أنا أيضاً، لكنني الراشدة الوحيدة “24سنة” بين أكثر من 45 طفل / ذكر في الثامنة من عمرهم، سمعت جرس المدرسة وهو يرن بطريقة معينة، كنا قد اتفقنا عليها عندما نريد أن نطبق خطة الإخلاء في مثل هذه الحالات، قلت لهم: أنتم رجال أقوياء، هل تتذكرون خطة الإخلاء التي تدربنا عليها؟ سنذهب الآن إلى الصف الآمن في المدرسة، عليكم فقط أن تتبعوني، خرجت من الصف وسار التلاميذ في طابور ورائي، والرصاص المتفجر يتساقط حولنا، قلت لهم إلى أن نصل سنردد معاً: “مطر مطر مطر / بالنعمة انهمر/ بالعشب والثمر/ تهللي يا أرضنا السمراء/ واستقبلي هدية السماء”!

*الأنشودة للشاعر سليمان العيسى 

 مجلة قلم رصاص الثقافية

عن وسام الخطيب

وسام الخطيب
كاتبة فلسطينية، خريجة كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة حلب سورية، تكتب وتنشر في العديد من الصحف والمواقع العربية.

شاهد أيضاً

السرير كنص

آمنة مامو  | عندما طُلب من غاستون باشلار أن يصف المبدأ الذي انطلق منه في …