آخر المقالات
الرئيسية » رصاصة الرحمة » تحت الوصاية

تحت الوصاية

بين التكتيك والاستراتيجيا هناك دوماً علاقة إشكالية، فعندما يختلفان بالشكل أو المضمون، يظهر الخلاف المجتمعي على شكل صراع يأخذ مواصفاته من نوعية المجتمع، ومن درجة تمثله للمفاهيم التأسيسية للمجتمع، فإذا كانت هذه المفاهيم التأسيسية تشكل قاعدة راسخة لوجوده، فعلى التكتيك والإستراتيجيا الانحياز لها، لأن الانزياح عنها سوف يجلب الفوضى، وهي بالتمام تبني المفاهيم المعاكسة لوجود المجتمع.

لم تحظ قضية قضائية / أخلاقية، في عالمنا المعاصر كما حظيت قضية (لاري فلينت) في أمريكا، فهذه القضية المعضلة، التي قسمت الأميركيين ومن ثم “العالم” إلى فسطاطين متقابلين متصارعين، يتماحكان حول مسألتي الفضيلة من جهة والقانون من جهة أخرى، تم حسمها لصالح القانون كغاية تكتيكية وإستراتيجية في آن معاً، على الرغم من عدم ارتياح حتى الجسم القضائي لهذا الحسم، ولكنه القانون الذي كان قد حسم مسألة المساواة سلفاً وخضع لهذا المفهوم التأسيسي لتصبح العدالة تحصيل حاصل الجهد المبذول لممارسة المساواة.

ولاري فلينت هو صحفي أمريكي من دعاة حرية التعبير شرط عدم الخروج عن القانون، فأصدر مجلة هاسلر البورنوغرافية ( قنوات هاسلر الفضائية فيما بعد ) والتي كانت تعتبر صادمة بالمقارنة مع مثيلاتها من المنشورات الأيروتيكية والبورنوغرافية، ما أثار حفيظة شرائح محافظة متنوعة وكثيرة للوقوف ضده، مثيراً معركة طويلة بين ما اعتبره الفضيلة الكاملة ممثلة بالقانون، وبين الفضيلة بمعناها الشائع والمتداول في ألأخلاقيات العامة، والتي خشي أن تتطاول على عقده الاجتماعي الذي يتضمن حرية التعبير بشكل واضح ومتساو لكل أعضاء المجتمع معتبراً أن خرق القانون هو الجريمة، بمعنى إن هذا الاختراق في هذا المثال المتطرف هو تمهيد لاختراقات تأخذ مشروعياتها الاستثنائية من الميول والنزعات الأخلاقوية التبسيطية، واضعاً نفسه تحت سطوة القانون الضابط لعقده الاجتماعي في معركة حقوقية طويلة الأجل حتى يحصل على حقه كما تعاقد عليه، فعلى الرغم من الاستهزاء به والاعتداء عليه ومحاولة اغتياله مما أدى إلى إصابته بالشلل، إلا أنه تابع مواجهته (ولا أقول معركته بل المعركة كان يشنها الطرف المقابل) لهذه القوى التي اعتبرها غوغائية طالما كانت تبحث عن مشروعيتها الاستثنائية من خارج القانون، وأعتبر أن حقه بالتعبير هو حق مساو لحق غيره في التعبير، فإذا كان للمحافظين الأخلاقويين حق في التعبير كبدهية خيرية، فله هو الآخر نفس الحق في التعبير، مقارناً بين نوعين من اللافضائل (حسب المعيار الأخلاقوي) البورنوغرافيا كحالة متعة والحروب ومآسيها، حتى أن كاتباً مثل جوزيه سارماغو وهو من هو ، قال وقتها:..إن الفجور لا يكمن في الأفلام الإباحية بل في الجوع والقتل والحروب العبثية، وهذا ما يشكل معادلاً أخلاقوياً للفضيلة بمعناها المطروح في هذه القضية، وهنا تبدو هذه المقارنة لصالح لاري فلينت حسب الثقافة التعاقدية التي تقوم على احترام الحياة الإنسانية كحق تأسيسي لوجود ألأعضاء في المجتمع، حيث يبدو الاعتداء على هذا الحق بأي شكل واضح أو مموه هو الإرهاب بحد ذاته.

يبدو مثال لاري فلينت مثالاً متطرفاً للغاية، ولكنه صالح كحالة درسية، فالمجتمع لم يتسامح معه واعترض عليه وحاربه من جهة، ومن جهة ثانية لا يبدو القانون كوسيلة تسامح أو مصالحة، بل هو وثيقة مرجعية لإرساء حقوق أعضاء المجتمع بالتساوي، وهذا ما يضع حدودا للتعبير تنتقص وربما تنقض المساواة التي يقوم عليها أي مجتمع، حيث يمكن اعتبار هذا المجال مجالاً تطبيقياً يمارس في العيش الاجتماعي أو المجتمعي اليومي دون وصايات مسبقة أو تفضيلية، حيث يحرم الكثيرون من التعبير عن رأيهم على الرغم من مخالفة ذلك للقانون خضوعاً لفضيلة ما يتم تكييف القانون استثنائياً لمراعاتها على حساب حقوق الأعضاء ليصيروا غير متساوين وبالتالي لن يشكلوا مجتمعاً في أي حال من الأحوال .
تبدو تطلعات حرية التعبير في عالمنا العربي عرجاء تارة وكسيحة تارة أخرى، وقد أثيرت ( ولما تزل) الكثير من القضايا الساخنة في هذا المجال تعدت المجال الجغرافي للتجمعات السكانية “العربية” إلى أوربا والعالم كقضية سلمان رشدي وتسليمة نسرين وغيرهما الكثير ،وكذلك داخل هذا المجال الجغرافي مثل نجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وفرج فودة والعفيف الأخضر وحيدر حيدر وغيرهم الكثيرون ( الفارق المتناقض بينهما حق الأكثرية في الداخل وحق الأقلية في الخارج وكلتاهما تدليس على الدساتير)، ولما تزل قضايا مثل العلمانية والحقوق الشخصية من ملبس ومأكل ومشرب تأخذ حيزاً كبيراً من محاولة ممارسة المساواة كمجال تطبيقي للممارسة المجتمعية أو الاجتماعية، فعلى الرغم (مثالا)، يحق لغير العالمانيين ممارسة التعبير عن الرأي والفكر حتى ولو كان لاعقلانياً إلى أقصى حد ممكن حتى ولو كان على حساب العالمانيين وجرح مشاعرهم، لا بل وشتمهم وتثريبهم، إلا أن العالمانيين لا يمتلكون نفس الحق في التعبير عن رأيهم حتى لو كان دون شتيمة أو إقذاع، لأنه ومن مجرد التعبير عن رأيهم هو إساءة إلى مشاعر الآخرين وخدش للحياء العام وتغيير في الثوابت والإضرار “بالفضيلة” العمومية.

وهنا يكف مثال لاري فلينت أن يكون متطرفاً ليظهر أن التطرف هو في الجهة المقابلة له، فنجيب محفوظ لم يصدر مجلة إباحية ولم يؤسس ويطلق قنوات فضائية بورنوغرافية يشاهدها العالم العربي أكثر من غيره من “العوالم” ، بل عبر عن تجربته المعرفية بواسطة موهبته، ومع هذا كان عقابه الجماهيري مساوياً لعقاب لاري فلينت الجماهيري (حسب إدعاء أصحاب الفضيلة الأكثرويون ) مع أنه لا لاري فلينت ولا نجيب محفوظ دعياً أحد إلى معاقبة أحد بهذه الطريقة غير القانونية،وهنا أيضا تبدو المساواة كسيحة ليصبح تأسيس المجتمع مؤجلاً، فأصحاب الفضيلة اللاعلمانية في مرتبة حقوقية أعلى من هؤلاء العلمانيين الأشقياء حتى لو تعطل حد المساواة الذي تم التعاقد عليه.
في محكمة عليا ( وحسب فيلم ميلوش فورمان) يحصل لاري فلينت على حكم يثبت الحق (وحقه من ضمنه) بالمساواة بين أعضاء المجتمع كقيمة استراتيجية لاستمراره، فإذا كان لأصحاب “الفضيلة ” الحق في التعبير، فلأصحاب “الفضائل” المختلفة الأخرى الحق أيضاً في التعبير، ونحن لما نزل في المثال المتطرف جداً، لننتقل إلى أصحاب التعبير بين ظهرانينا وهم من العقلانيون في غالبهم؟

لتبدو لنا “الفضيلة” ذريعة لتكييف الدساتير والقوانين حسب “الفضائل” السياسية والإيديولوجية والسلطوية الأخرى، لتصبح العدالة غير مساواتية في الشكل والجوهر، ليتم تقاسمها حسب الاختصاص، وعندما تصطدم الاختصاصات نتيجة فائض القوة الناتج عن عدم العدالة يواجه التجمع السكاني (أو المجتمع ولكن باحتمالات تقل كثيرا) بالحروب الأهلية والإرهابات الكارثية، لتصبح الفضيلة التي تخاف من خدش الحياء العام خوفاً على انفراط “عقد”التجمع السكاني ،عبارة عن سلاح يفتك بأركان الاجتماع البشري.
المساواة استراتيجية مجتمعية، والفضيلة هي واحدة من التكتيكات الاجتماعية التي عليها أن تصب منتجاتها في الحاصل الاجتماعي، والتي تبدو في عصرنا الحالي على تعاكس مع استراتيجية الاستمرار في الوجود كمصلحة عليا، فإلى أي جانبيك تميل؟

ملاحظة من خارج الموضوع مرة أخرى: هناك فارق غير مفكر به في معنى مفردتي ( الهزء ) و ( السخرية)، ربما يسعفنا رصد معنييهما في تبيان الفرق بين (الهازئ) و (الساخر).

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

شهوات اللغة وشعرية الجسد في رواية “العطار” لنصر سامي

روعة سنبل  | “يا سادة يا مادة، يدلنا ويدلكم على طريق الشهادة، سأحكي لكم فيما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *