الرئيسية » رصاص خشن » الوظائف المرجعية والصّفات الرمزية مقاربة سميائية في “سفر البوعزيزي” لـ نصر سامي

الوظائف المرجعية والصّفات الرمزية مقاربة سميائية في “سفر البوعزيزي” لـ نصر سامي

د. آمال كبير  |

حينما نمتلك ثقافة عربية مغاربية متأصلة، يصبح التعامل مع الشعر المغاربي المعاصر ضربا من التفاعل الإنساني الذي يلامس بواقعيته وانفعالاته مراكز الإدراك الفني والتأثر الميراثي، قبل أن يلامس الحس النقدي أو المنطق الجمالي في الفكر أو القراءة.

على هذا؛ ستكون المقاربة السميائية للشعر التونسي المعاصر في ديوان الشاعر نصر سامي بحثا في التمفصلات الدلالية التي يشي بها النص داخل الديوان والكلمة داخل القصيدة، للكشف عن محاولة الشاعر إعادة تشكيل الثقافة عبر الفن، انطلاقا من لملمة الشظايا التي تعكس واقعا جديدا مربكا ومرتبكا وعصيا على الفهم والاستقرار والبوح، خاصة أن الشاعر ينطلق من لحظة الانفجار الثوري للواقع التونسي بجميع اتجاهاته؛ ممثلة في شرارة (البوعزيزي) الذي تحول إلى آية روحية بيّنة في الواقع التونسي المعاصر.

والسؤال الذي يواجهنا أمام المعرفة الجديدة التي يطرحها (نصر سامي) في ديوانه هو: هل كان الشاعر هنا شاعرا ملتزما بقضيته الأم أم كان شاعرا متمردا؛ يهدم ليبني ويمزج لينتقي؟ هل يتماهى الشاعر في الواقع وينصهر في دوامته أم يشرئب متطاولا عليه ليستوحي نبوءته الانتمائية الجديدة؟

العناوين ودوامة الانتماء:

يقف نصر سامي في ديوانه على عتبات الإفصاح والمكاشفة، لكنه وككل شاعر عربي لا يقوى على مشاركة هواجسه جميعا مع القارئ،إنه يراوغ القول بالقول ويصنع من العنوان بؤرا للرمز، ليجادل متن القصيدة بالحلم حتى تفقد انتماءها الفردي وتصبح ملكا لقارئ يعيد إنتاجها عبر أزمنة متعددة ومتباينة.

العنوان الرئيس:

يعد العنوان في الدراسات المعاصرة خطابا قائما بذاته، فهو يحيل على النص المدرج لاحقا من قبل الكاتب من جهة وهو دال يكون النص مدلولا أكيدا له من جهة ثانية «ذلك التشاكل ينتهي بعملية تواز نصي بين العنوان وعمله فلكل منهما نصيته الخاصة وإن دخلت عناصر من أحدهما في بناء نصية الآخر، بحسب تأويلات المتلقي للإثنين فكما سبق القول إن اللغة في هذا العمل تمحو كل أثر المرسل ومقاصده، وتكفى، على ذاتها منتظرة منتجها الفعلي: المستقبل الذي تتوقف إنتاجيتها الدلالية على فعالية تأويله، ومن ثم فالعنوان مرسلة مستقلة مثلها مثل العمل الذي يعنونه، ودون أدنى فارق، بل ربما كان العنوان أشدّ شعرية وجمالية من عمله في بعض الإبداعات التي يتوقف استكشاف المدخل النقدي إليها على بناء نصية العنوان أولا وقبل أي شيء آخر » [1] مما يبيّن أنه مرحلة مهمة جدا قبل الغوص في التفاصيل اللاحقة.

يرتبط العنوان في كتاب “سفر البوعزيزي” بالتجربة الإبداعية للشاعر (نصر سامي) ارتباطا وثيقا، حيث نجد تدرجا معرفيا ودلاليا وتناصيا بارزا في صياغة العناوين الفرعية لنصوص الكتاب (الشعرية منها والنثرية)، لكن هل تمكن العنوان الرئيس للكتاب من جمع تلك المدلولات المتفاوتة الأزمان ضمن مدلول واحد؟

جاء عنوان الكتاب جملة اسمية معرفة بالإضافة حيث وظف الشاعر الجملة للدلالة على المطلق بصيغتها النكرة في لفظة (سفر) للإحالة المباشرة على المفهوم الديني؛ رغبة منه في إضفاء شيء من الشرعية الألوهية على ما سيتلى لاحقا ضمن نصوص الكتاب من أقوال وأفكار قد لا تقنع القارئ إن لم ترتبط ارتباطا وثيقا بمفاهيم إنسانية تتنامى تحت رقابة السماء، ولهذا لم يعرّف (السّفر) إلا بإضافته إلى الاسم المباشر (البوعزيزي) الذي كان معرفا تعريفين أحدهما كونه: (اسم علم) والثاني بـــــ (الألف واللام)، ولعل الجمع بين معرّفين في لفظة واحدة يبين ما يقصد إليه الكاتب قصدا مباشرا متواريا في آن، وهو أن التشكيل النصي المدرج تحت لواء العنوان الرئيس هو فعل إنساني بالدرجة الأولى لكنه فعل متعلق بقدر أقوى وأكثر فاعلية من جهة ثانية.

وعلى الرغم من الاقتصاد اللغوي الشديد في عنوان الكتاب إلا أن الخبر فيه لم يكن مغلقا؛ لأنه يتماشى مع معرفة تاريخية وثقافية واضحة المعالم والأبعاد مما يبين أن ما سيواجهه القارئ من نصوص متنَ الكتاب ستكون مندرجة ضمن هذه المعرفة أو تحيل بالضرورة إليها.

عناوين النصوص والمرجعية الفكرية (الإلغاء/ التشكيل):

لا يخلو أي نص أدبي من نسج شبكة من العلاقات بين العنوان الرئيس والعناوين المتفرعة عنه « نعامل العلاقة بين العنوانين: الرئيسي والفرعي معاملة العلاقة بين طرفي “عطف البيان” وذلك لخاصيتين يمتلكهما العنوان الفرعي، الأولى وقوعه في الدائرة الدلالية فإنها تكون أكثر شعرية من عملها، إذ إن لا نحويتها تعمل على نحو موسع على تحييد النظام اللغوي عن بنائها ودلالتها، على الرغم من حضوره، وحتى تحكمه بالبنية السطحية للعمل، الأمر الذي يجعل “العنوان” أقرب المداخل وأيسرها لمقاربة شعرية العمل وإعادة توزيع عناصره من فوضى جماليته إلى انسجام دلاليته. وهكذا فالمسافة الفاصلة بين “العنوان” بملمحه الشعري واستغراق “العمل” في سمات نوعه وجنسه تحدد اتجاه الفاعلية من العنوان أو العكس»[2].

من هذا المنطلق تنتظم عناوين النصوص متنَ الكتاب وفق قصدية تراتبية ميقاتية يلعب فيها الزمن النفسي للنص دورا مهما وفعّالا؛ ففي القصيدة المفتتح (تذكرت البداية) يمدّد الشاعر الحياة بين الحروف الأبجدية مستعيرا من كل حرف فيها كونا مستقلا بذاته، كونا يرسمه بالضياء تارة وبالاختفاء تارة أخرى، كي يتمكن من استنشاق الحياة منذ بدايتها استذكارا واستنطاقا لماض شعري، يستعير منه معجمه ليؤسّس من خلاله لشرعية الذكرى البعيدة، الراسخة في أزمنة البوح الإنساني الذي يأتي تباعا في نصوص الكتاب.

إن المرجعية اللغوية التي يلجأ إليها (نصر سامي) بين آونة وأخرى في ديوانه، تستحيل إلى حالة من حالات الطواف العفوي حول التاريخ لإعادة إنتاجه ضمن الحاضر بأنماط أقرب إلى التشكيل الحسّي للحظة الراهنة، ضمن مقتنيات البعيد القادر على التشخيص بأقصر السبل اللغوية وأبلغها، يقول:[3] أمدّ الكون في ألفي ويائي/ وأبسطه وأحقنه دمائي / وأشربه بلا مزج قراحا/ شراب الضوء يشرب دون ماء/ وأدعو أن يصار إلى قصيدي/ فيشرب أو يعلق في البهاء/ طريق الشعر أعرفه وأدري/ طويل سلمي نحو العلاء/ لقد أسريت في أقصى قصيدي/ وأعرج والحضارة في ردائي.

وهو هنا لا يلغي سابقيه من الشعراء بل يستأنس بكل ما يجعل للبداية التأثير الأكثر قربا وحميمية لدى القارئ، فيمر بأقداح (الأعشى) غير مكتف بأن يجعل قصيدته جزءا من تاريخ شعري طاف فيه الشاعر الصحراء وخرج إلى الديار المتاخمة لشبه الجزيرة العربية متغنيا بخمرياته، بل ليشكل من كلماته معلقة من تلك المعلقات الأثيرة في الثقافة الشعرية العربية منذ العصر الجاهلي وحتى الآن.

كما لا يكتفي الشاعر بالإلماح إلى اللغة العربية من خلال استحضار الزمن الشعري بل يتخطف من الزمن الديني عذوبة (الإسراء والمعراج) وإعجازها، ليبني على منوالها بداية لقول تأسست فيه اللغة العربية من ألفها إلى يائها وانبنت على معجزة الوحي السماوي، الذي لا يخفي الشاعر توظيفه لاحقا في القصيدة من خلال التصريح بصيغة العنوان (تذكرت البداية)؛والذي لا يلوح إلا مع نهاية القصيدة بعد أن يمر الشاعر بأبيات غزلية (مرقسية) تؤسس لبداية التكوين البشري الذي كانت ثمرته (آدم وحواء)، وهي البداية المستساغة الوحيدة التي يجدر بالشاعر العودة إليها متذكرا ومستأنفا ومستمرا، ولهذا فقد ارتبطت المرأة بالأبجدية ارتباطا محوريا جعل للعنوان سطوة زمنية متدرجة عبر سلسلة من المواقيت التي تمثل بدايات مستحبة وجديرة بالاستمرار، قبل أن يبسط الله الأرض لتكون موطنا للإنسان المحكوم بالبدايات والنهايات المتكررة.يقول:[4]“وصاحبتي تمدّ الآن/  طرفا / سماويا / ألذّ من السماء/ …/تذكرت البداية يوم كنا/ معا من قبل ميلاد الضياء”.

على هذا، لا تلقى دوامة الشاعر قرارا لدى قارئ حائر حيرته نفسها فيعود في قصيدة أخرى قائلا:[5] (أقسم جسمي في جسوم كثيرة)[6] أسوة بصعاليك العرب وغربانها التّواقين إلى الحرية والعدالة واالانعتاق من سلطة القبيلة ولغتها وريائها وسطوتها، وتقلبات القيم والأخلاق والمبادئ فيها، يعود الشاعر ليستعير زمن العروبة مواجها حاضره ومحولا الأسطورة إلى شخوص عربية وجدت بالفعل لا بالوهم بعدما أخفق الوهم في تحقيق الحلم وامتحن بالخيبة كل مرة وكل حين، فيعلن الشاعر في هذه القصيدة أن المستحيل والممكن بيده، هو يصوغه بالحرف كي يجعله ممكنا وأكيدا ومستمرا:[7]المستحيل/ أنا الذي علمته أن يستحيل / وأن يريق دمائي/ …/ ما ممكن إلا ومني ماؤه نورا/ يساقط من فتوق سمائي/ أستصحب الغابات وسط غنائها / وأمدّ لبّ القول للشعراء/…/ماذا أريد من الدنى؟/ مجدا. وبي قلق الدهور يقيم في أرجائي”.

فالشاعر يلخّص قلقه الذي يشي به عنوانه في هذه الجملة ليقابل مقابلة ضمنية بين الأثر الذي يتناص معه ثقافيا في الشعر الجاهلي القديم، وبين حقيقة انتسابه إلى ذلك القلق الذي جعله يتمرد على المستحيل ويواجهه بالكلمة أسوة بالشعراء الصعاليك، استجابة «لمتطلبات الإنسان، ومهام الوعي وتحويل الواقع»[8] وفي الوقت نفسه وصولا بالقارئ إلى إدراك المعاناة التي كانت تربطهم بمجتمعاتهم القبلية والتي يبدو أنها تربط الشاعر بمجتمعه الإنساني الحديث، ولهذا فكلاهما هجر المجد ليبني خلودا شعريا من خلال إطعام الحرف للشعراء كي تتجاوز الإنسانية محنتها.

أما عنوان قصيدة(هكذا حدّث بروميثيوس) فإن الشاعر يترنم بغنائية أزلية عن التحدي والجمال الذي يحمله الشاعر في قلبه ويواجه به العالم بين تشاؤم وتفاؤل وتحدّ وصبر، ولهذا فهو يستعير تلك الترنيمة الرومنسية من (الشابي) عازما على إكمال مشوار الثورة الشعرية التي يتحدى بها الشعراء التونسيون القدر تباعا، فالالتزام بقضية الوطن والحرية تبدو معلنة ومرتبطة بالرمز الأسطوري (بروميثيوس) من جهة، وبالرمز الشعري (الشابي) من جهة ثانية مع الإلماح في بداية القصيدة إلى (أبي تمام) و(أبي العلاء) اللذين يعتبران من ثوار الحرية الفكرية والتجديد الشعري في العصر العباسي، «إن التناص الموسع والحر هو قاعدة تأويل بيانات العنوان الشعري، ويتبع أسلوب “التداعي” association، يقصد به معلوماتيا أن البحث عن مضمون معين يمكن أن يتشعب ويتسلل إلى البحث عن مضامين أخرى ذات علاقة بالمضمون الأصلي، وذلك من خلال تتبع علاقات التشابه والتناقض والتعالق والعلة والأثر، وغيرها من التداعيات التي ترتبط بين هذا المضمون وغيره »[9] فتصبح تفاصيل القول متجانسة تماما مع العنوان المقترح نظرا للمعاناة التي يمر بها الشعراء في كل زمان ومكان، يقول:[10] “يحيا أبو تمام في لغتي التي/ شطآنها تمتدّ صوب أبي العلاء/…/لكنني أحيا / ونوّار الكلام يحيط بي/ متحصّنا بغنائي/…/ وبراحتي لغتي التي تمشي/ وتنهض في سماء ردائي/…/أحيا لكي أحيي الدنى بقصيدتي/ أحيا لكي أروي المدى بدمائي/…/أسري وأعرج بالقصيدة تاركا/ قلبي هنا في تونس الخضراء”.

إن الشاعر يعلن في كل مرة أنه ينتسب إلى الكلمة وأن الشعر قضيته، ولهذا فإن العناوين التي يختارها لقصائده تكون بمثابة التعزيز الفكري والإنساني لفلسفته الشعرية وللكلمة التي يحيا بها وفيها، فيغدو «العنوان الذرة البدائية أو البيضة الكونية المخزنة بقوة دلالية قصوى، سرعان ما تقوم برسم الانفجار بفعل عوامل متنوعة فيتشكل النص»[11] ولهذا فهو يختار في القصيدة التالية (فوضى على باب القيامة) الشاعر (محمود درويش) ليتحد مع ثورته الإنسانية ضد الطغيان والبطش والخراب:[12] “وأفتح فكرتي وطنا/ وأعطي لهذي أضلعي/ ودمي لهذا”.

وكأن الشاعر يعود ليقسّم جسمه في جسوم كثيرة، بل هو يعلن أن فكرة الوطن في الذاكرة العربية لا تنتهي عند زمن ولا تتغير قيمتها بين أجيال الشعراء وإن تغيرت لغة الشعر وتقنياته:[13]” أفكّر في غدي/ وأنا عليم بأنّ الشعر منذور لهذا”.

بل ويعود ليعزّز إعلان التّمرد من جديد بلسان شاعر ثائر كل الثورة، لتصبح ملحمته الشعرية وطنا لكل الأحرار من بني البشر، حين يقول:[14]“وماذا إذا أوديستي اكتملت تماما/ ولم تسكن بواديها عكاظا؟/ كتبنا الشعر حقا / قبل الوقت حقا/ قبل الكون،/ قبل تخلّق الضاد…

غير أن الخيبة التي تلازم الشاعر وهو يرى أحلام الشعر تقف عند حدود القوافي يجعل انتظاره محفوفا بنوازع الشؤم التي خلفها سابقوه من الشعراء؛ هؤلاء الذين رحلوا ودموع الشعر لم تغادر مآقيهم دون أن ينالوا المجد المحفوف بالثناء على عتبات أوطانهم المجروحة النازفة.

ولهذا يعلن الشاعر ثورته بعدما أخفاها ردحا من زمن الشعر بين بحور الخليل تارة وبين سيوف الأساطير تارة أخرى، ليختفي (بروميثوس) و(عروة بن الورد)، ويظهر بدلا منهما شهداء وأبطال صنعوا ثورة الشاعر الفعلية. ليتغيّر بها تاريخ الوطن الأم وأبجدية الأشعار في قصيدة (ثورة الأحرار):[15]جدّدتم شكل الصباح / فلم يعد للصبح ذلك اللون / ذاك الأسود / وجعلتم هذي البلاد قصيدة / في كل قلب ثائر / تتجدّد.

والواضح أن سيرورة الزمن الكوني تتماشى مع سيرورة الزمن الشعري لدى الشاعر؛ إذ لا انفصال بين إشراقة الصباح على يد الثوار وبين إشراقة القصيدة على يد الشاعر، وفي هذه القصيدة يرتفع صوت الشاعر على غير ما نلاحظه في قصائده السابقة على الرغم من تماثل الخطاب الثوري بينها وبين سابقاتها، إلا أن نبرة الانفعال تظل متواترة من بداية القصيدة إلى نهايتها معلنة فرحا ارتبط بلحظة الكتابة الراهنة؛ فالشاعر لم يكن في حاجة لاستدعاء بطولات مجترة إنما كان يكتب بطولته الفعلية وبطولة شعبه الحقة، وهذا ما يفسر اختياره لمفردات مباشرة لصياغة عنوان القصيدة دونما حاجة إلى تضمين رافد للفكرة التي يزمع إعلانها على الملأ:[16]“إن شئتم شاء الزمان/ وبدّلت كل الدنى أقدارها/ فتمرّدوا/ من أجلنا/ من أجل تحرير الحياة/ وجعلها حقا لنا/ وتمرّدوا./ لا شيء لا / لا شيء عنكم يبعد/ …/ شكرا لكم حررتموني فجأة / وجعلتم قلم النبيّ يغرّد.

ويستمر الشاعر في (معلّقة القصبة) في تعداد مزايا ثورة الشعب التونسي، فيجعل العنوان ابن التاريخ الحاضر واللحظة الراهنة مبتعدا عن كل الحواشي والزخارف التي يتزين بها هامش التاريخ الإنساني المفجوع بالبطولات المهزومة:[17]“صنع التّاريخ/ لم يقبل عطايا/ حين هزّ العرش واجتثّ الزوايا/ ذاك شعبي الحرّ/ ذاك التونسيّ/ من أضافت آيه للمجد آية / من تأذى حين كان الفجر أعمى/ من رأى ضوءا فغالته المنايا / صنع التاريخ حقا/ لا مجازا”.

فالعنوان المختار لهذه القصيدة إذا يعبر عن تاريخ حقيقي ولهذا لم يكن على الشاعر أن يغلفه بأي مجاز لغوي أو معنوي فأتى به مرسلا في الزمان والمكان والإنسان مستعملا الضمير (هو) على سبيل المطلق الإنساني إشارة إلى كل من شارك في صناعة الحدث الثوري.

ويعاود العنوان مباشرته اللفظية دونما تضليل أسطوري أو تاريخي في قصيدة (انتخبهم مرة أخرى) ليمر به الشاعر إلى أزمان تتماشى مواقيتها الشعرية ومواقيتها الفعلية الواقعية؛ حيث ينطلق عهد سياسي جديد في وطن الشاعر لا يجد منه فكاكا إلا إلى التوثيق الشعري «كما أنه يعرف أيضا كيف يحورها. تحويرا يخفي به ما هو عالق بأصولها من آثار للألم والصراع والحرمان… فلدى الفنان قدرة عجيبة على تشكيل هذه المادة الخاصة حتى يجعل منها صورة تعبر عن الأفكار التي يتضمنها خياله تعبيرا صادقا. وهو يعرف بعد ذلك كيف يضفي على هذه الأفكار مسحة قوية من الإمتاع تصفّيها من شوائب الكبت أو تموّه عليها، ولو بصورة مؤقتة على الأقل. ومتى أفلح في هذا كله، أتاح للآخرين فرصة هي بلسم وعزاء ومتنفس لمنابع اللذة اللاشعورية لديهم، تلك المنابع التي أضحت بعيدة الإدراك عزيزة المنال»[18] فلحظة الكتابة الراهنة بالنسبة إلى الشاعر هنا لحظة منفلتة من أغوار الذكرى إلى عتبات الحضور الفكري والروحي ومن ثمة الحضور الشعري:[19]انتخبهم مرة أخرى/ لأن الله في عليائه/ أسرى بهم/ وبنى لهم جنّاته/ وأمدّهم بالحكمة العمياء:/ أن يستبيحوا تراث جدودنا/ ويستبيحوا هم وحاميهم جميع حدودنا./ فهم الملاّك/ ونحن العملة/ وهو السّادات/ ونحن القتلة/ ومنّا الشهداء/ ومنهم القتلة.

ليبدو الانكسار زاحفا متربعا على مساحة القصيدة، كما يتبين الخطاب الثوري بالمقابل أكثر قوة وصلابة، يحاول الشاعر من خلاله تبليغ رسالة إنسانية رافضة وإن لم تخل من أيديلوجية مناهضة لشتى أنواع التسلط السياسي والفكري والديني التي تحاول أن تسرق الثورة من أحلام الثوار معيدة نمط الاستغلال السياسي من جديد، فكأنه هنا يكشف قناعة السياسيين المبنية على «الإيمان بلاعقلانية الجماهير ضمنيا ثم التظاهر في نفس الوقت بأنها عقلانية ومنطقية ! لهذا السبب يقال بأن كل زعيم سياسي يظهر على شاشة التلفزيون يضع مسبقا قناعا على وجهه لكي يقول ما يدغدغ عواطف الجماهير لا ما يعتقده عمقيا بالفعل»[20] ولهذا يبلغ القهر بالشاعر مبلغه حين يصرّح قائلا:[21]“فانتخبهم كي یعودوا مثلما كانوا/ حرام أن یصیروا مثل كلّ الشّعب/ محرومین من أملاكهم/ ومن سلطانهم/ أیصیر العبد یوما سیّدا؟”.

ليستمر في قصيدة (الصّرخة) التي يصدّرها بعتبة نصية (درويشية) منتفضا على شتى أنواع العذاب الوطني والانهزام السياسي الذي يراه رؤيا العين والقلب والحرف «لإيمانه العميق بأن قضايا المعرفة والفكر والإبداع متصلة أعمق الاتصال بقضايا الحياة وعلاقات التفاعل بين الأفراد والمجتمعات والشعوب»[22] ولهذا تتشابه قضية الشاعر الشخصية بقضية كل الشعراء وتتشابك قضيته الوطنية بقضية كل الأوطان المسلوبة المنتهكة؛ إنه «الالتزام المزهو بنفسه، في هذه النبرة العالية من التفاؤل والتي تبدو في أغلب الأحيان كمبدأ صارم لا بدّ أن يدخل تكوين التجربة حتى لا تسقط في وهدة التشاؤم أو الضعف البرجوازي، وهنالك أيضا الأداء المباشر الذي يلجأ إليه الشاعر عادة عندما تكون درجة انفعاله عظيمة جدا ولم تدخل بعد مرحلة التنقية وتلمس وسيلة التعبير الشعري في نسيج من الصور الناضجة»[23] ولهذا بالذات لم يقدم عنوانا صامتا أو فرديا بل قدّم صرخة مدوية كان لابدّ أن يسمعها العالم كاملا حين قال:[24] “هذا وطن حرّ/ وليس بلادا مسروقة/ هذا وطن حرّ/ وليس سريرا في مبغى السوقة/ هذا وطن حرّ/ وليس رمادا في أرض محروقة/ …/ ماذا يبقى من نار الثورة/ إلا همّ القلب؟”.

وهنا يبدو أن الشاعر يستعير من مفردة الصرخة صدح الصوت المتوغل في البعيد، لكنه يحمّله من الأحاسيس والانفعالات ما يجعله أقرب إلى الروح (همّ القلب) لا إلى الأذن بفعل الشعر؛ ذلك أنه «كلما ازدادت كثافة الإحساس في الظاهرة الخارجية نقصت كثافة المادة فيها، وإذا نقصت كثافة المادة اقتربت إلى جوهر الحقائق المعنوية، التي يتلاشى في إطارها الحاجز بين الشيء ومعناه، فيصبح إحساسا وانفعالا… ومن أجل أن تكون الحواس أكثر قدرة على البوح والانطلاق من أسر المادة ومحدوديتها، لجأ الرّمزيون إلى نظرية العلاقات أو التراسل بين الحواس»[25] وهي الحواس التي تشترك جميعا في نقل المرئي والمسموع عبر المنطوق الشعري إلى القلب النابض بالثورة والرفض.

غير أن الشاعر يعود ليعزّز صوته الفردي في (باب الشمس) عبر مناجاة روحية داخلية تجعل القارئ يتساءل سؤالا عصيا عن الإجابة المقنعة: لماذا يوهمنا الشاعر بالوقوف على عتبات الشموس والأنوار والصباحات المشرقة، بينما نجد معاني القصيدة تصور اختباءً في ظلام النفس وأغوارها وكهوف صوفيتها الموحشة؟ لماذا يجعل الشاعر القارئ يواجه الشمس واقفا عند بابها ولكنه يوصد الباب بألف سؤال وسؤال؟

إن الشاعر في هذه القصيدة يلعب لعبة تمثيل الذات لذاتها، «لتأسيس كفاءة فاعل منفذ من أجل تحوّل رئيسي»[26] ولهذا فهو يدعّي وجود حوار بين شخصين أحدهما هو لحظة الكتابة والآخر هو لحظة التقمّص (ذكرى/ مادة/روح/جسد…)، وكأنه ينتزع من الذاكرة الشعرية العربية وقفة طللية جاهلية قديمة، كان الشاعر فيها يحدّث نفسه بصيغة المثنى أو الجمع تيمّنا برفقة تنسيه وحدته وتخفّف عنه وحشة الطريق[27] والدليل على ذلك أن الشاعر يعطي للعالم الصفات نفسها التي يعطيها للشعر، إذ يقول:[28]نتكلّم مثل غريبين اعتادا الوحدة والصمت / نكثر من ألفاظ الخوف/ …/نتكلّم لكن لا يحدث شيء/ حتى الشعر يظل حزينا موتورا ومعنّى/ ومليئا بسماء حبلى بالخوف/ يا سامي فيم الخوف؟/ إن كان العالم موتورا ومعنّى وحزينا طول الوقت؟/ ففيم الخوف؟/ ستطول الرحلة/ لن يأتي أحد بالعشبة من أجلك.

ويستمر الشاعر في هذه المناجاة القاتمة عند باب شمس تأبى أن تنفرج، حتى يصل إلى بيت يذكر فيه اسما محببا إلى روحه (إيناس)، مما يشيع جوا من الأنس على تلك الوحشة وشيئا من السلوان على تلك الخيبة «وتعيد الذات القارئة والساردة إلى حالة امتلاك لموضوع الجهة المتمثل في المعرفة، وبذلك تدخل في تضاد مع الحالة التي تمثل انفصالا عن المعرفة»[29] والمتمثلة في علامات التساؤل والاستفهام المتصدرة للنص، لتدرك أن أبواب الشمس تورق عندها وأن عشبة الخلود بين يديها:[30] أما إيناس فبنت، وطن يمشي فيها/ في عينيها وطن/ في شفتيها وطن/ وفي الأحلام يكبر وطن أجمل من كل الأوطان/ …/ولديها مثلي بالأمس/ حدائق ملأى بشجيرات اللوز/ وأعواد التين.

إن التعالق النصي الذي يطرحه هذا العنوان مع متن النص يمثل بوابة لحلم يرى الشاعر أنه غير قادر على تحقيقه أو على رؤيته يتحقق، لذلك فهو لا يتجاوز باب الشمس، لكنه يخلق عند ذلك الباب (بنتا) تمثل استمرارية حلمه وذلك أنه يحمّلها حدائق الأمس ويتنبأ لها بإروائها حتى تثمر وطنا، يظل الشاعر يطل عليه من (شرفة في القاع) في قصيدته الموالية والتي يستهلها بعتبة (سيّابية) تعبر عن استمرارية الحلم والوجع ضمن ثنائية شعرية وزمنية لا تفارق كينونة الشاعر ولا قلمه:[31] “لكنّ السكاكين الصقيلة/ تمرّ من خلل السّواد/ وتستبيح الضوء/ أبصر فجاة عدما يطل، أرى رحيلا/ يسلّمني إلى رحيل/ وموتا إلى موت/ عدا عينيك، إنهما يسافران/ ويفتحان بأحرفي وطنا بديلا”.

التقنيات الفنية وتداخل الأجناس:

يراوح (نصر سامي) في كتاباته بين الشعري والسردي «دون أن يحدث قطائع بين الجنسين، وذلك بالوفاء لنفس المقومات الفنية والمنطلقات الجمالية، المستندة على اللغة التي تحظى بمركزية لا تضاهى في بناء متخيّله»[32] وهي خصيصة – إن لم تكن ميزة- لا تتوفر لكثير من المبدعين، ووفقا لهذا يلتبس التصنيف والتأويل ويستعصي على الناقد أن يحدد منطلق البناء النقدي، بل يقف أمام سؤال الاحتمالات المتفاوتة: هل يمثل تداخل الأجناس الأدبية في الديوان امتزاجا إنسانيا وثقافيا – على اعتبار أن السرد ينقل الخبر الواقع بينما يحفل الشعر بالخيال – أم هو امتزاج فني لا غير؟ وإن كان كذلك هل يمكن الجزم بأن الشعري قد جعل الشاعر يحسم أمره مع إديولوجيته؟

في نصه السردي الأول (البيت) تتردد الأبجدية بين أن تُفيض الخاطر نثرا أو تقيّده شعرا «تنسجه إمكانات اللغة باستعاراتها وتورياتها وصورها الشعرية مزيلة الفواصل ومكسرة الحدود بين الطبيعي والفوق طبيعي، بين الخرافة والخيال، حين تجعل الأسطورة تحايث الواقع الملموس، كما تضفي على الواقع طابعا غرائبيا وتجنح به إلى معانقة عوالم الأسطورة المنطلقة بناء ومتخيلا»[33]، وعلى الرغم من الإشارات التناصية التي وردت في النصوص الشعرية إلا أن الرمز الأسطوري يتكون دلاليا بفاعلية أكثر كثافة حين ينسج الكاتب نصه مزيجا من الشعر والنثر، وهي علامة من علامات التمرد الفني للشعراء المعاصرين. تمكن (نصر سامي) من توظيفها توظيفا لا يخلو من شاعرية مبتعدا عن النشاز الناتج عن تزاوج الأجناس الأدبية دونما تحقيق الحميمية المجازية بينهما؛ لأن «فنون القول الأدبي على تباينها في الخصائص وطبيعة البناء لم تعد غدرانا معزولة عن بعضها البعض، لقد بدأت كتل اليباس الفاصلة بين هذه الفنون بالتآكل أو التخفف من بعض مزاياها العازلة حتى اتسعت نقاط التماس والتفاعل بينها إلى حد كبير».[34]

بهذا يكون النص النثري/الشعري قد فتح بوابة من الرؤى الجديدة على فضاءات الدلالة الشاملة للعناوين المقترحة للنصوص. فــ «عدم قابلية الشعر كجنس أدبي للتحديد، وانفتاح حدوده الجنسية على أجناس الأدب كافة باعتبارها خصائص فنية قابلة للتحقق فيه دون أن يفقد هويته – بالرغم من عدم تحددها-لصالح أجناس هذه الخصائص. هذا وذاك يجعلان من العسير، إن لم يكن من المستحيل وضع الوظيفة الإحالية في الاعتبار بصدد سيميوطيقا العنوان الشعري، وهكذا لا مناص من اعتباره عملا شعريا كاملا ومستقبلا، وليست وضعيته كعنوان لعمل شعري آخر إلا من قبيل التعسف المجازي. إن هذا التعسف المجازي في العنونة الشعرية يدفع بالعنوان لغة وفضاء إلى العمل في لغته وفضائه أيضا، كما يدفع بالعمل –كذلك- إلى عنوانه، ليتخلق من تعالق الإثنين سياق دلائلي ثالث، والأكثر أهمية فضاء جامع لهذا السياق الجديد».[35]

وبين هذا وذاك يتمدّد الحرف مشتعلا ليبني للبدايات مساحة هندسية أشد قربا من حاضر الشاعر وواقعه الآني لكنها لا تخلو من سفر إلى البعيد، إلى الزمن الأول الذي لم تكن فيه الطهارة والقوة لغير الأنبياء، وكأن الشاعر هنا يود أن يجعل من نصه نبوءة طاهرة ونقية عبر شتاءات الوطن وسجادات الصلاة والبيوت الأسطورية العتيقة التي يعيش فيها الحمام وتورق بين ذرات ترابها براعم الحياة: “أهذا أنا؟” قد رميت مرارا عصاي فلم تتحوّل إلا إلى كلمات ولم تقتل السحر… 

هنا في بیت الأهل، حروفي تمتدّ فوق الجیر الأبیض، فوق الخوخة والتفّاحات حیث تنام الشّمس  وراء سریر الأمّ، وحیث البدر ینام وراء مصلّى الوالد. في بیت الأهلین هنا، أتمنّى نفسي فجرا، كي أتمدّد في الجدران، وكتّانا كي یلبسني الأهل، أو ماء یتفتّق فيّ النّسغ ویولد فيّ الضّوء، وتملأ أمطاري الأكوان».[36]

كما تتداخل الأحلام اليائسة والأمنيات الحزينة عبر سؤال الزمن الأسطوري وشخوصه المتعددة، غير أنه لا يتعامل مع تلك الرموز تعاملا سكونيا فلغته «لا تستدعي التجارب السابقة كلها في تراكم وتتابع، وإنما تعيد بناءها وتنظيمها، وإبراز بعض العناصر منها، وإخفاء أخرى»[37] فيستمر الشاعر في محاورة الرموز الأسطورية الأكثر إدهاشا وخلودا عبر التاريخ الإنساني متنصلا من إرثه العربي ومستعيرا للغته الأم إرثا إنسانيا مريرا مرارة التجربة الحاضرة «… قلت للأصدقاء. حروفي مرايا الخلاص، وفي لغتي أستحيل إلى قدر. وأفكك لحم الأساطير»[38].

فعبر الأسطورة يتمكن الشاعر من إعادة تكوين الحياة؛ وهو يظن مقتنعا أن (البوعزيزي) قد منحه الشرارة التي تفصل الوهم عن الحقيقة وأن إعادة بعث الإنسان قد صارت أكيدة في – تونس والعالم العربي بل وفي العالم ككل- «سيغدو وهمي حقا، وأطير إلى كلماتي، أوقظهن وأعطيهن لهيبي، وأوقظ فيهن الأجداد وأعبر منهنّ سريعا إلى أعماق الكائن حيث ستنهض سيدوري من غفوتها لتبيع البحارين خمور الليل وأعشاب الأحلام معا…”أأنا جلجامش ذاك الباحث عن خلد مفقود أم أني أنكيدو الخارج من جنات الحيوان وراء امرأة؟”»[39].

على هذا يمكننا أن نسجل ملاحظة مهمة في تزاوج الأجناس الأدبية في (سفر البوعزيزي)؛ وهي أن هذا التغير الجذري في تقديم النص الشعري والنثري فتح المجال لبروز الصوت الفردي للكاتب، بمعنى انحسار الأيديولوجيا – وليس غيابها- لصالح التجربة الراهنة «أو بالأحرى عودة الصوت الفردي، والتجربة الشخصية الصافية التي تتشكل خارج فضاء الأيديولوجيا إما بصورة عضوية، “هل لاحظتم أنه الآن يتحدث بلغة تكون متأثرة بها أو نابعة من منابعها، أو تعبيرا لمحياً عن رفض الاندراج تحت ألويتها أو الانصهار فيها أو الانزلاق إلى مداراتها؟”»[40] وتلك كانت أيديلوجية الشاعر المعاصرة؛ حيث اختفت معالم التصنيف وبؤر التمذهب خارج لحظة الكتابة والتجربة الشعورية المحضة، وفي نص (أعطي جسدي لحرير الليل) نجد التساؤل يتكرر حول ماهية الذات وجغرافيتها ودون أن يحدّدها الشاعر في الأخير نلمحه يعطيها للأحلام مما يبيّن أن العنوان وضع عن سبق إصرار كبيان أوّلي لما سوف يأتي من حديث داخل النص، فحرير الليل هي تلك الأحلام التي يمتطيها الشاعر بحثا عن مستقرّ.”أهذا بیتي؟” أتساءل. أرسم یاء فوق الصفحة وألوّنها بالأصداف وأسمّیها بحرا وأحیط اللام بأزهار السوسن والفلّ وأعطي  للواو وریقات وجذورا وفي الدّكنة حیث الموج الأزرق ورائحة الأزهار أعطي  جسدي لحریر اللیل وأحلم. أتساءل. یغویني صمت الجدران فأصرخ في اللیل، ینبت للصرخات الریش وألمحها تبني الأعشاش وتبذر في الصّمت الزّعقات الموتورة. أتعرّف حزني نجما نجما، قمرا قمرا،وتأسرني الأضواء»[41]

وإذا كانت الواقعية هي الرابط بين النصوص النثرية/الشعرية الموتورة في (سفر البوعزيزي) فإن مستويي الوعي والرؤيا الثاقبة لم يغادرا هذه النصوص، سواء بالنسبة إلى صياغة العناوين أم إلى بناء النص «لأن مهمته صياغة إنسان جديد وشعر جديد، لكن للمستقبل، والمستقبل عالم مغاير لعالم الواقع، وهنا تتضح فكرة الوظيفة الكلية، إذ يتعلق الأمر بالإنسان كاملا، وبالعالم كاملا، ولا يتعلق بجزئية من جزئياتهما»[42] ولهذا تشرنقت النبوءة بالحلم وتراوحت لحظات البوح الإبداعي بين الشعر والنثر في (لدينا حلم) «في الحلم متّسع. ويكفينا الهواء لكي نصلي، كل ما نحتاج. أرض للحياة هنا مع أطيارنا وصغارنا وترابنا وهوائنا، أرض بحجم قصيدة، حتى بحجم قصيدة، أرض بحجم يد»[43]

ورغم أن العنوان يلمح إلى البعيد غير الممتلك فإن الشاعر يراوغ الحلم في الجملة الأخيرة من النص حين يقيس مساحة الأرض التي يحلم بها بحجم اليد، مما يدل على أنه يعبر عن حلم موجود بقوة الفن ملك يده. وفي: (أهذا كلّ ما تعطيه لي الكلمات؟) وهو العنوان الأكثر دلالة على شرعية السؤال وتوسيع مجال الرؤية الفردية التي يحاول الشاعر تنظيم فوضاها والتعالي بها إلى مستوى الديمومة التي لا يحققها إلا الشعر «ليس يسكرني سواك، فصدّقيني دائما ثم امنحيني كلّ أسباب المنى. أنا ساكن في الوهم، محمول على خيل اللغات. ليس لي وطن سوى لغتي التّي فجّجت بين ضلوعها. وملأت مسرحها بذاتي»[44] معتقدا أن «الشعر هو أداتنا لمحاورة الكون، وتحقيق الانسجام بيننا وبين نواميسه، إنه اللغة التي يصنعها البشر ليمتلكوا بها الكون عن طريق معرفته، وهو ذاكرتنا الشاملة، ووسيلتنا إلى البقاء داخل تاريخ جنسنا واستعادة الطمأنينة في الإحساس باستمراريته، الشعر هو ديوان الإنسانية وملجؤها من الضياع، ورقيتها ضد الموت»[45]

وفي العناوين اللاحقة نجد الشاعر يعاود الانسحاب من ذاته الآنية إلى ذاته الغابرة في صور شخوص دينية وأسطورية تلاحق مخيلته الفنية وتمنحه القدرة على أنسنة قضيته في نص: (آخيل) وفي نص: (إسماعيل) وفي نص: (خمسون نجما يا أبي) وفي نص: (مسيح الليل) وفي نص: (الجميلة لا تموت) وفي نص: (جلجامش)،  وفيها جميعا تتكرّر بكائية مشوبة بحلم سافر، حيث يستحضر الشاعر في كل مرة حكاية العذاب التي تعرض لها هؤلاء ليسقط عليها فجيعته الذاتية بين الأهل والإخوان والأوطان، في نص: (أغرقتم الفرعون) ومستبشرا في نص: (سيعود طائر الفينيق) بتحقق الحلم الذي يستمر مطاولا عمر الجراح في (المدّثّر).

وقد استخدم المجاز والحقيقة في صياغة عناوين الكتاب، كما نلاحظ أنه لم يكن يتعالق تراثيا أو أسطوريا أو حتى دينيا مع مرحلة زمنية بقدر ما كان يتعالق مع إنسان تلك المرحلة معتقدا أن الزمن من صنع الإنسان: (تحت جدارية ابن خلدون) أو تحت تمثاله الذي يحمل رائحة الوطن ويخبر الذين « كسرون التماثيل الجميلة، أو يسعون إلى تشويهها قد ينجحون أحيانا، ولكن الحياة تعود من جديد فتخلق هذه التماثيل ليحبها البعض.. ويكرهها آخرون.. ولكي تكون دائما الزهرة التي تنثر العطر للناس وتشرب العذاب»[46]

وهذا التلاحم الفني بين التاريخ الموجود بالفعل والتاريخ الذي يصنعه الفن بالحرف هو ما يبين نزوعه إلى توظيف (البوعزيزي) الإنسان في العنوان الجامع لهذه النصوص دون غيره من الموجودات أو المعطيات التي صاحبت قيام ثورة التغيير؛ باعتباره صانع الثورة و: (نشيد السلام) الذي يمثل عنوانا لنشيد يردد فيه الشاعر فكرته حول معتقد ثوري يوحي بأن الانتصار اتجاه إنساني وعمل بشري قام به فرد واحد نيابة عن البشرية المسحوقة ككل – لا دخل للزمان ولا للمكان فيه – فكان احتراقه وحيا للآخر كي يعلن رفضه ويكتب تاريخ ثورته كفرد «أرى نجما تعلق بالنوافذ اسمه مهدي، وآخر اسمه ناجي، وآخر اسمه مجدي، ثم أخرى اسمها يسرى وأخرى…كلهم جاؤوا لتغيير البلاد وجعلها وطنا لنا»[47] لتجتمع دلالات الهدى والمجد والنجاة واليسر في عزة ممثلة بشكلها المستحب في إنسان واحد كان عنوانا لهذا العمل الإبداعي وهو (البوعزيزي) الذي: (يصير نجما خلف ثورته) ممتطيا (البراق) «يقف محمد البوعزيزي أمام مبنى الولاية. يتخيل للحظة وهو يقف تحت الشمس أمام عربته أن له حصانا…»[48] متناصا مع براق الرسول الذي أسرى به إلى السماوات ثم عرج حاملا نشوة التكليف الإلهي ووعود النجاة الربانية من بين أنياب زبانية الشر والظلم والفساد. [ولقد كان بين التجليات البارزة انهيار التاريخ الفعلي المتوارث أو المعتاد وحدوث قطيعة حقيقية مع النمط النثري والشعري المتداول بالخروج إلى نص ذاتي انتماء وفكرة وتعبيرا. إن الذات الآن ذات لا تصدر عن وعي للتاريخ أو هوس به أو حتى انشغال به؛ وحين يبرز الزمن مكونا تجريبيا فإنه ليس الزمن – التاريخ، بل الزمن الماضي الشخصي الفردي للذات. بكلمات أخرى، لا يتجسد انهيار حس التنامي العضوي بالإشارة إلى المستقبل فقط وموت مفهوم الحركة الغائية المجسّدة لحركة التقدم بل بالإشارة إلى الماضي أيضا. الشعر الآن هو شعر اللحظة الراهنة، ومن وجوه ذلك التركيز على البرهة وإنتاج القصيدة البرهية. والبرهية لا تمثل احتفاء بالحاضر… بل شعر الذات التي لا يشرنقها وعي تاريخي ولا تفهم الحاضرة باعتبارها وليدة التاريخ.[49] بل بما يستنبطه الشاعر ممن قام بتشكيله غير عابئ بما أو بمتى كان ذلك التشكيل، «كما تتمثل فيه صيغ التعبير الخارجة عن الشائع والمتداول. في هذا الشعر كالتحام للبعد الشخصي، المتمثل في موقف تؤديه دلالات المضمون، بالبعد الجمالي الكامن في التشكلات الإبداعية التي يتخّذها التعبير الكلامي، تنجدل عملية التجديد التي ميّزت هذا الشعر»[50] ولعل (نصر سامي) في هذا يقوم بفصل انفصامي متعسف للمعطيات التي تكوّن معمارية اللحظة التاريخية، التي تتلاحم فيها هندسة الزمان والمكان والمنجز المادي، إلا أنها تقدم صورة أنموذجية غير مفتعلة يبرز فيها وجه الإنسان الثائر مبررا خلوده اللحظي في وجه الفناء العابث بجغرافية الأوطان والأزمان.

مراجع المقال:

  • امرؤ القيس، الديوان، دار صادر، بيروت، لبنان، 1980.
  • بوشعيب الساوري، التباس هوية النص، دراسة في تداخل الروائي والشعري، ط 01، دار النايا، دار محاكاة للدراسة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2012.
  • حسين جمعة، قضايا الإبداع الفني، ط 01، دار الآداب، بيروت، لبنان، 1983.
  • خالد حسين حسين، في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، ط01، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، سورية، 2007.
  • رجاء النقاش، تأملات في الإنسان، ط 01، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1989.
  • عبد المالك مرتاض، في قضايا الشعر العربي المعاصر، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988.
  • عبد الله العشي، أسئلة الشعرية، بحث في آلية الإبداع الشعري، ط 01، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009.
  • عدنان حسين قاسم، التصوير الشعري، رؤية نقدية لبلاغتنا العربية، الدار العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2000.
  • عروة بن الورد، الديوان، دراسة وشرح وتحقيق، أسماء أبو بكر محمد، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1998.
  • عصام واصل، في تحليل الخطاب الشعري، دراسات سيميائية، ط 01، دار التنوير، الجزائر، 2013.
  • علي جعفر العلاق، الدلالة المرئية، ط01، دار الشروق، عمان، الأدرن، 2002.
  • غوستاف لوبون، سيكلوجية الجماهير، ترجمة وتقديم: هاشم صالح، ط 01، دار الساقي، بيروت، لبنان، 1991.
  • سامي سويدان، في النص الشعري العربي، مقاربات منهجية، ط 01، دار الآداب، بيروت، لبنان، 1989.
  • كمال أبو ديب، جماليات التجاور، أو تشابك الفضاءات الإبداعية، ط01، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1997.
  • لطفي عبد البديع، ميتافيزيقا اللغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1997.
  • محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب.
  • محمد إبراهيم أبو سنة، دراسات في الشعر العربي، ط 02، دار المعارف، القاهرة، مصر.
  • محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1998.
  • معجب سعيد الزهراني، الجسد الخاص وتشكل الهوية في خارج المكان، (مقال)، مجلة فصول (مجلة النقد الأدبي)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، عدد 64، صيف 2004.
  • مكرم شاكر اسكندر، أدباء منتحرون، دراسة نفسية، ط01، دار الراتب الجامعية – سفنير، بيروت، لبنان، 1992.
  • نصر سامي، سفر البوعزيزي، سلسلة كتاب الشاعر 02، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 2016.
  • فريق انتروفرن، التحليل السيميائي للنصوص، مقدمة/ نظرية – تطبيق، ترجمة: حبيبة جرير، ط 01، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 2012.
[1]- محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1998، ص 31.
[2]- محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، ص 55، 56.
[3]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، سلسلة كتاب الشاعر 02، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 2016، ص 11.
[4]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 14.
[5]- م ن، ص 20.
[6]- عروة بن الورد، الديوان، دراسة وشرح وتحقيق، أسماء أبو بكر محمد، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1998، ص 61.
[7]- نصر سامي، سفر البوعزيزي ص 20، 21.
[8]- حسين جمعة، قضايا الإبداع الفني، ط 01، دار الآداب، بيروت، لبنان، 1983، ص 17.
[9]- ينظر، لطفي عبد البديع، ميتافيزيقا اللغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1997.
3- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 25-29.
[11]- خالد حسين حسين، في نظرية العنوان، مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية، ط01، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، سورية، 2007، ص45.
[12]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 37.
[13]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 37.
[14]- م ن، ص 38.
[15]- م ن، ص 80.
[16]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص81، 84.
[17]- م ن، ص 89.
[18]-  مكرم شاكر اسكندر، أدباء منتحرون، دراسة نفسية، ط01، دار الراتب الجامعية – سفنير، بيروت، لبنان، 1992، ص 21.
[19]- نصر سامي، كتاب “سفر البوعزيزي”، ص 149-
[20]- غوستاف لوبون، سيكلوجية الجماهير، ترجمة وتقديم: هاشم صالح، ط 01، دار الساقي، بيروت، لبنان، 1991، ص 23.
[21]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 153.
[22]- معجب سعيد الزهراني، الجسد الخاص وتشكل الهوية في خارج المكان، (مقال)، مجلة فصول (مجلة النقد الأدبي)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، عدد 64، صيف 2004، ص 227.
[23]- محمد إبراهيم أبو سنة، دراسات في الشعر العربي، ط 02، دار المعارف، القاهرة، مصر،  ص 84.
[24]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 160، 161، 162.
[25]- عدنان حسين قاسم، التصوير الشعري، رؤية نقدية لبلاغتنا العربية، الدار العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2000، ص 224.
[26]- فريق انتروفرن، التحليل السيميائي للنصوص، مقدمة/ نظرية – تطبيق، ترجمة: حبيبة جرير، ط 01، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، 2012، ص04.
[27]- قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل (امرؤ القيس، الديوان، دار صادر، بيروت، لبنان، 1980، ص 167.)
[28]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 165.
[29]- عصام واصل، في تحليل الخطاب الشعري، دراسات سيميائية، ط 01، دار التنوير، الجزائر، 2013، ص 22.
[30]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 167، 168.
[31]- م ن، ص 171.
[32]- بوشعيب الساوري، التباس هوية النص، دراسة في تداخل الروائي والشعري، ط 01، دار النايا، دار محاكاة للدراسة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، 2012، ص 06.
[33]- م ن، ص 06.
[34]- علي جعفر العلاق، الدلالة المرئية، ط01، دار الشروق، عمان، الأدرن، 2002، ص 151.
[35]- محمد فكري الجزار، العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، ص 70.
[36]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 19.
[37]- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 1992، ص 124.
[38]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 17.
[39]- م ن، ص 18.
[40]- كمال أبو ديب، جماليات التجاور، أو تشابك الفضاءات الإبداعية، ط01، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1997، ص24، 25.
[41]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 23.
[42]- عبد الله العشي، أسئلة الشعرية، بحث في آلية الإبداع الشعري، ط 01، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009، ص 223.
[43]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 32.
[44]- م ن، ص 36.
[45]- عبد المعطي حجازي، نقلا عن: عبد المالك مرتاض، في قضايا الشعر العربي المعاصر، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1988، ص 238، 239.
[46]- رجاء النقاش، تأملات في الإنسان، ط 01، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1989، ص 19.
[47]- نصر سامي، سفر البوعزيزي، ص 85.
[48]- م ن، ص 94.
[49]- ينظر: كمال أبو ديب، جماليات التجاور، أو تشابك الفضاءات الإبداعية، ص32.(بالتصرف)
[50]- سامي سويدان، في النص الشعري العربي، مقاربات منهجية، ط 01، دار الآداب، بيروت، لبنان، 1989، ص 33.

 

الجزائر  | مجلة قلم رصاص الثقافية

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *